وقيل لداود الطائي : ألا تسرّح لحيتك ؟ قال إني إذّا لفارغ ، وكان يشرب الفتيت « 1 » وقت إفطاره ، فسئل عن ذلك ، فقال : بين شرب الفتيت والمضغ قراءة خمسين آية .
وحج مسروق فما نام قط إلا ساجدا .
وكان السلف الصالحون إذا بلغ أحدهم أربعين سنة طوى فراشه . ولما رأت أم الربيع ابن خيثم كثرة بكائه واجتهاده قالت يا بنىّ لعلك قتلت قتيلا فأنت خائف من ذنوبه ، قال نعم يا أماه ، قالت فقل لنا من هو لعلنا نطلب من أهله أن يسامحوك ؟ فو اللّه لو رأوا ما تصنع بنفسك لرحموك ، قال : يا أماه إنما هي نفسي قتلتها بتقصيرى في حقوق اللّه تعالى .
وصلى علىّ بن أبي طالب رحمه اللّه صلاة الصبح فلما سلم انفتل عن يمينه وعليه كآبة ، فمكث حتى طلعت الشمس ثم قلب يديه وقال : واللّه لقد رأيت أصحاب رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم وما أرى اليوم أحدا يشبههم ، كانوا يصبحون شعثا غبرا صفرا قد باتوا للّه سجدا وقياما يتلون كتاب اللّه تعالى ، يراوحون بين أقدامهم وجباههم ، وكانوا إذا ذكروا اللّه عز وجل مادوا كما تميد الشجرة في يوم ربح ؛ وهملت أعينهم حتى تبل ثيابهم ، ثم نظر إلى الذين حوله وقال كأن هؤلاء باتوا غافلين . وكان أبو مسلم الخولاني يعلق في البيت سوطا بالليل ويقف للصلاة ، كلما فتر ضرب نفسه ، ويقول أنت أحق بالضرب من دابتي .
وقال أبو حازم : أدركت أقواما ما كان رمضان يزيد في اجتهادهم شيئا ولا ينقص خروجه من اجتهادهم شيئا . وقال بعض الصالحين : بينما أنا سائر في بعض جبال بيت المقدس إذ هبطت واديا وإذا برجل قائم بين شجرتين يردد هذه الآية
( يَوْمَ تَجِدُ كُلُّ نَفْسٍ ما عَمِلَتْ مِنْ خَيْرٍ مُحْضَراً )
الآية ، فلم يزل يرددها حتى صاح ووقع مغشيا عليه ، ثم أفاق بعد ساعة وهو يقول : أعوذ بك من مقام الكذابين . أعوذ بك من أعمال البطالين ،
هامش
( 1 ) الفتيت : كسيرات ضئيلة من الخبز تذاب في أمراق .