تخطي إلى المحتوى الرئيسي

طهارة القلوب والخضوع لعلام الغيوب — صفحة 156

مساهمون:

ص١٥٦
لو أردت المسير لما التفت إلى الأوطان ، ولو ذقت حلاوة الخلوة بالمولى لما سكنت إلى مؤانسة الخلّان عباد اللّه : هذا شهر رمضان ، الذي كتب اللّه عليكم صيامه ، وأوجب عليكم تعظيمه واحترامه ، وأجزل الثواب لمن أحصى ليله وقامه ، قال اللّه عز وجل :
( يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيامُ كَما كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ )
معناه فرض عليكم الصّيام كما فرض على الأمم قبلكم الصيام . وقيل معناه كان رمضان فرضا على أهل الكتاب فغيروه ، وقوله
( لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ )
لعلكم تتحرزون عن العقوبة بفعل ما أمرتم به ، قال اللّه تعالى :
( قُوا أَنْفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ ناراً )
فمن عمل بطاعة اللّه وقى نفسه من عقوبة اللّه تعالى ، وفيه إشارة إلى أن الصوم عون على التقوى ، فإن فيه حبس النفس عما تهوى . ويقال خاطبنا اللّه تعالى في أول الآية باسم الإيمان تعريفا بالمنة في نعمة الإسلام وتخفيفا لما تجده النفس من ثقل الصيام ، وقال :
( كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيامُ )
وقال سبحانه وتعالى :
( كَتَبَ رَبُّكُمْ عَلى نَفْسِهِ الرَّحْمَةَ )
فإذا وفيت بما عليك وأنت بالغدر معروف ، فكيف لا يوفى بما عليه سبحانه وتعالى بما كتب على نفسه وهو بالكرم موصوف ، أنت إذا وفّيت بما عليك يلحقك التعب ، والرب سبحانه وتعالى إذا وفّى بما عليه لا يلحقه النصب
( وَمَنْ أَوْفى بِعَهْدِهِ مِنَ اللَّهِ )
ولا يخسر أحد على اللّه . وروى أبو هريرة رضى اللّه عنه عن رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم أنه قال : « من صام رمضان إيمانا واحتسابا غفر له ما تقدّم من ذنبه » . وروى عن رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم أنه قال : « من قام رمضان إيمانا واحتسابا غفر له ما تقدّم من ذنبه وما تأخّر » . وفي صحيح مسلم عن رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم أنه قال : « قال اللّه عزّ وجل : كلّ عمل ابن آدم له إلّا الصّيام فإنّه لي وأنا أجزى به ، والصّيام جنّة ، فإذا كان يوم صوم أحدكم فلا يرفث يومئذ ولا يصخب فإن سابّه أحد أو قاتله فليقل إنّى امرؤ صائم إنّى امرؤ صائم ، والّذى نفس محمد بيده لخلوف فم الصّائم أطيب عند اللّه من ريح المسك ، وللصّائم فرحتان يفرحهما : إذا أفطر فرح بفطره ، وإذا لقى ربّه فرح بصومه » .