إبراهيم بن أدهم كأنه سفّود ، وكانت رابعة كأنها شنّ بال ، وكان سرى قد يبس جلده على عظمه .
جزى اللّه المسير إليه خيرا * وإن ترك المطايا كالمراد
وكان داود الطائي ينادى في الليل : إلهي همك عطّل علىّ الهموم ، وحال بيني وبين الرقاد ، وشوقى إلى لقائك حال بيني وبين اللذات ، وأنا في سجنك يا كريم .
وقيل لعيسى عليه الصلاة والسلام : من أولياء اللّه الذين لا خوف عليهم ولا هم يحزنون ؟
فقال : هم الذين نظروا إلى باطن الدنيا حين نظر الناس إلى ظاهرها ، وإلى آجلها حين نظر الناس إلى عاجلها ، وأماتوا منها ما يخافون أن يميتهم ، وتركوا منها ما علموا أنه سيتركهم ، فصار استكثارهم منها استقلالا ، وطلبهم لما أدركوا منها قوتا ، وفرحهم بما أصابوا منها حزنا تخلقت الدنيا عندهم فلا يجددونها ، وتخربت فلا يعمرونها ، وماتت في قلوبهم فلا يحيونها ، يخربونها ويبنون بها آخرتهم ، ويبيعون دنياهم ويشترون بها ما يبقى لهم ، رفضوها وكانوا برفضها فرحين ، ونظروا إلى أهلها غرقى وقد خلت من قبلهم المثلات ، أحبوا ذكر الممات ، وأماتوا ذكر الحياة الدنيا ، يحبون اللّه ويحبون ذكره ويستضيئون بنوره ، لهم خبر عجيب وعندهم أعجب الخبر بهم ، قام الكتاب وبه قاموا ، وبهم نطق الكتاب وبه نطقوا ، لا يرون دون ما يرجون ، ولا خوفا دون ما يحذرون ، أولئك أولياء اللّه الذين لا خوف عليهم ولا هم يحزنون .
وقال بعض الصالحين : سمعت في جنح الليل صوتا حزينا على ساحل البحر فملت إليه ، فإذا هو رجل واقف يقول : يا قرّة عيني ويا سرور قلبي ، ما الذي أسقطنى من عينك ، فطوبى لقلوب ملأتها من خشيتك ، واستولت عليها محبتك ، فخشيتك مانعة لها من ولوج كل مقصد ، خوفا من حلول سخطك ، ومحبتك قاطعة لها عن سبيل كل شهوة غير ذكرك ، صدق القوم في الطلب فجاءت المعونة ، وقهروا نفوسهم فباتت مسجونة ، وزرعوا حب التقى