ونزّل ، صلى اللّه عليه وسلم وعلى آله وأصحابه ما غسق ليل أليل ، ووردت القلاص منهلا بعد منهل ، كما نهج به للمتقين طريق الهدى وسهل .
في قول اللّه تعالى
( وَهُوَ الَّذِي جَعَلَ اللَّيْلَ وَالنَّهارَ خِلْفَةً لِمَنْ أَرادَ أَنْ يَذَّكَّرَ أَوْ أَرادَ شُكُوراً ) .
جعل اللّه الليل يخلف النهار ، والنهار يخلف الليل ، فمن أخطأ في ليله أو قصر تدارك في نهاره وشمر ، ومن تشاغل في نهاره عن خدمة مولاه ، ففي الليل خلوة لمن ألهمه مولاه وتولاه .
وورد في الآثار أن من فاته ورده بالليل فصلاه ما بين الضحى والظهر ، فكأنه قد صلاه في وقته . وفي الخبر « يقول اللّه عز وجل : يا ابن آدم اذكرني بعد الصبح ساعة وبعد العصر ساعة أكفك ما بينهما » فمن أراد أن يشكر ويذكر ففي اختلاف الليل والنهار عبرة لمن استبصر ، ومن أراد شكورا ففي كل واحد منهما خلف لمن قصر . وكان عبد اللّه بن عمر إذا فاتته الصلاة في جماعة أحيا تلك الليلة ليجبر ما فاته ، وأخر ليلة صلاة المغرب حتى رأى كوكبين فأعتق رقبتين . وفاتت عمر بن الخطاب رحمه اللّه تعالى صلاة العصر في جماعة فتصدق بأرض له قيمتها مائة ألف درهم .
ويروى أن اللّه تعالى يقول للملائكة وهو أعلم : ما بال عبادي مجتهدين ؟ فيقولون :
إلهنا خوفتهم شيئا فخافوه وشوقتهم إلى شئ فاشتاقوا إليه ، فيقول اللّه تعالى فكيف لو رآني عبادي لكانوا أشد اجتهادا .
وقال الحسن : أدركت أقواما وصحبت طوائف ما كانوا يفرحون بشئ من الدنيا أقبل ، ولا يتأسفون على شئ منها أدبر ، وهي كانت عندهم أهون من هذا التراب ، كان أحدهم يعيش عمره كله ما له ثوب زائد فيطوى ، ولا جعل بينه وبين الأرض شيئا أدركتهم عاملين بكتاب اللّه تعالى وبسنة نبيهم إذا جنّهم الليل فقيام على أطرافهم يفترشون وجوههم تجرى دموعهم على خدودهم يناجون ربهم في فكاك رقابهم ، إذا عملوا حسنة