سلكوا ، قنعوا من الدنيا بالبر والبرد ، قطعوا بادية الهوى بأقدام الجد ، ما كان إلا قليل حتى قدموا من السفر ، فاعتنقتهم الراحة ودخلوا بلاد الوصل ، هان عليهم طول الطريق لعلمهم أين المقصد ، فيا بشراهم يوم يلقاهم
( هذا يَوْمُكُمُ الَّذِي كُنْتُمْ تُوعَدُونَ ) .
سئل ذو النون المصري عن حملة القرآن فقال هم الذين مطرت عليهم سحائب الأشجان ، ونصبوا الرّكب والأبدان وتسربلوا بالخوف والأحزان ، وشربوا بكأس اليقين وراضوا نفوسهم رياضة المتقين ، كحلوا أبصارهم بالسهر وغضوها عن النظر ، وألزموها العبر وأشعروها الفكر فقاموا ليلهم أرقا وتبادرت دموعهم فرقا حتى ضنيت منهم الأبدان وتغيرت منهم الألوان ، صحبوا القرآن بأبدان ناحلة وشفاه ذابلة ودموع وابلة وزفرات قاتلة فحال بينهم وبين نعيم المتنعمين ، وشغلهم عن مطامع الراغبين ، ففاضت عبراتهم من وعيده ، وشابت ذوائبهم من تحذيره فكان زفير النار تحت أقدامهم وكان الوعيد نصب قلوبهم ، جعلوا التراب للجباه وسادة وللركب مهادا ، وجعلوا القرآن صراطهم المستقيم فكان بهم إلى الخيرات داعيا ، وإلى النجاة دليلا هاديا
( أُولئِكَ الَّذِينَ هَداهُمُ اللَّهُ وَأُولئِكَ هُمْ أُولُوا الْأَلْبابِ )
اسمع صفة القوم يا أسير الغفلة والنوم .
كان أيوب السختياني يحيى الليل كله ، فإذا كان وقت السحر رفع صوته كأنه قد قام ذلك الوقت من النوم .
ومكث إبراهيم التيمي عشرين سنة يصلى الصبح بوضوء العشاء ، وكانت رابعة تحيى الليل كله . ذهب السادة وبقي قرناء الوسادة ، وا شوقاه إلى تلك الأرواح سلام اللّه على تلك الأشباح .
وكان سرىّ السقطي يقوم أول الليل إلى وقت السحر ، ثم يجلس فيبكى حتى يطلع الفجر . كانوا مع الطاعات يبكون ، وأنتم مع التفريط تضحكون ، هان عليهم واللّه السفر لما علموا أن الملك يراهم ويسمع أصواتهم . قال اللّه تعالى :
( الَّذِي يَراكَ حِينَ تَقُومُ )
أول نقدة في مهر الجنة الظمأ والتلذذ بالبلاء . وكان حسان بن أبي سفيان كأنه سوط . وكان