وصيام النهار يسأل عنك ، وليالي الوصال تعاتبك . أما يؤلمك الهجر ؟ أما تشتاق إلى الوصل ؟ فراق الأحباب تلف عاجل ، أعرف الناس بالطريق من قد سلك ، إذا ذكرت منازل مكة يحنّ الحاج . لما ذاق آدم طيب الجنة ولذة المناجاة ثم فقدها جرت دموعه كالأنهار .
عوّدونى الوصال والوصل عذب * ورموني بالهجر والهجر صعب
لا وحقّ الخضوع عند التّدانى * ليس يقوى على التّباعد قلب
قال آدم عليه الصلاة والسلام : يا رب إن أنا تبت وأصلحت أتردني إلى الجنة ، فقيل له نعم فسكن قلقه .
وإنّا ليرضينا رجوع وصالكم * فردّوا لنا ذاك الوصال كما كانا
وكنّا نعطى في الدّنوّ غرامنا * ونكتم ما نلقى فبان الّذى بانا
ودخلوا على كرز بن وبرة فوجده يبكى فسألوا عن بكائه ؟ فقال : ما صليت البارحة وما قرأت وردى ، وما هذا إلا بذنب أحدثته . يا ويح من بلى بالطرد والبعاد ، يا خيبة من حرم القرب والوداد . لا جعل اللّه حظنا الحرمان ، ولا منعنا عن حماه بسالف العصيان إنه غفور رحيم رؤوف حليم منان .
عباد اللّه هذا شهر رجب شهر اللّه الأصب تصب فيه الرحمة على التائبين وتفيض أنوار القبول على العالمين ، وهو الفرد من الأشهر الحرم التي عظم اللّه قدرها بقوله تعالى :
( مِنْها أَرْبَعَةٌ حُرُمٌ )
ومعنى تأكيد الحرمة فيها أن الحسنات مضاعف أجرها والسيئات فيها عظيم وزرها ، وهي ذو القعدة وذو الحجة ومحرم ورجب ، فتلك ثلاثة متوالية ، ورجب فرد وحده وكانوا يسمونه الأصم لأنه لم يكن يسمع فيه حس قتال ويسمونه منصل الأسنة لذلك ، وكانت الجاهلية يعظمون حرمته ويكفون عن القتال فيه ويستجاب لهم لدعاء على من ظلمهم فلما بعث النبي صلى اللّه عليه وسلم بعث سرية إلى بطن نخل قبل وقعة بدر بشهرين وأخبرهم أنهم يجدون قافلة لقريش وأمرهم بأخذها وكان ذلك في آخر جمادى الآخرة ، فاستهلّ عليهم