ذلك ترك الصلاة والزكاة والصيام المفروضة والحج مع الوجوب ، وترك كل فريضة فإنه إبطال ركن من المقصود ، فهذا سر يعلم به أكبر الكبائر ، ثم تفاوتها في الإثم . ثم إن الإيمان والعبادة لا يتم المقصود منهما إلا بسلامة الأنفس والعقول والأموال التي هي القوام .
وحرم اللّه تعالى قتل المؤمن والمعاهد بغير حق فإن القتل إبطال المقصود بقطع الوجود ، ثم يليه الضرب والجرح وقطع الأطراف فإنه يفضى إلى القتل ، وشرع قتل الكافر المحارب لأن في قتله دفع ضرر عن المسلمين ، وشرع قتل الزاني المحصن زجرا عن المفسدة ، وشرع قتل القاتل عمدا بالقصاص زجرا عن القتل ، فكان في القتل قصاصا تقليل القتل ، وهو معنى قوله عز وجل :
( وَلَكُمْ فِي الْقِصاصِ حَياةٌ يا أُولِي الْأَلْبابِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ ) .
وحرم اللّه تعالى اللواط لئلا يقع الاكتفاء به فيقطع النسل ، فيكون به رفع الوجود وهو قريب من قطع الوجود . وحرّم اللّه تعالى الزنا لئلا تختلط الأنساب ، فينقطع التعارف والتناصر والوصلة والميراث ، وتكثر الغيرة بين الرجال فيقع القتل والهرج . وأما الأموال فحرّم اللّه تعالى تناولها بغير حق مصلحة للناس ، لكن بعض الضرر أعظم فيها من بعض ، وأن ما ظهر منها أمكن تداركه واقتضاؤه بالسلطان أو باليد ، وربما أمكن التحرز منه بأن يحفظ الإنسان ماله . فأما ما كان باختفاء أو تسلط فهو أعظم ، كالسرقة فإنه يعسر التحرز عنها ولا تعرف فيمكن استيفاؤها . وأكل مال اليتيم إذا أكله من بلى عليه كذلك ، وإتلاف المال بشهادة الزور ، وأكل المال باليمين الكاذبة عند الحاكم ، وأكل الربا والقمار قريب من هذا فإنه أكل مال مسلم بحجة باطلة لا يمكن معها استيفاء ، ثم يليه الغصب والخيانة في الوديعة . وأما الأعراض فحرّم اللّه تعالى الخوض فيها لئلا يؤدى إلى التقاطع والتدابر وربما أدى إلى القتل . وحرّم اللّه تعالى شرب كل مسكر ، فإن فيه إفساد العقل وهو شرط التكليف فصار كقطع الوجود في وقت السكر ، فهذه مراتب الكبائر ، ووزرها على قدر ضررها في تفويت الإيمان والعبادة .
وأما الصغائر فإنها إنما تكبر بالمواظبة عليها والإصرار ، وذلك كالنظر إلى المرأة