تخطي إلى المحتوى الرئيسي

مشارق أنوار القلوب ومفاتح أسرار الغيوب ( ويليه سر الأسرار في كشف الأنوار للغزالي ) — صفحة 138

مساهمون:

ص١٣٨
الخسيسة ، لأنها تشغل عن دار البقاء وتميل إلى دار الفناء ، ومباشرة المألوفات الردية التي تفارقها وتحمل أوزارها ، فلما كان في هذا الوقت تحصل هذه الأحوال غالبا ، وهي محبوبة لا جرم ، أقسم به ، ويؤيد ما ذكرنا قوله تعالى :
حافِظُوا عَلَى الصَّلَواتِ وَالصَّلاةِ الْوُسْطى
[ البقرة : الآية 238 ] ، وأكثر المفسرين أجمعوا على أنها صلاة العصر . قوله :
إِنَّ الْإِنْسانَ لَفِي خُسْرٍ
( 2 ) [ العصر : الآية 2 ] . اعلم أن الإنسان مركب من العناصر الأربعة المتضادة المجتمعة بواسطة الامتزاج ، وهو كيفية حادثة عن تفاعل الكيفيات المختلفة بعضها في بعض إذا وقف عند حد ، ومن النفس الناطقة المفارقة للمواد بفيض الحق الأعظم على هذا البدن ، عند كمال الامتزاج . ولهذه النفس فروع وقوى حالّة في البدن ، وهي مظهرة للأفعال ، وآلة للكمال ، استحكمت العلاقة بين النفس والبدن والقوى الظلمانية إلى أن عشقته ، وتشددت العلاقة الشوقية بينهما ، جذبتها إلى العالم الجسماني عن العالم الروحاني ، ولما كانت النفس الناطقة مدبرة للبدن ، وكان ذلك لأجل الاستكمال ، لأنها كانت في حالة الهبوط والتعلق خالية عن جميع العلوم والفضائل الجزئية الحادثة شيئا بعد شيء ، ثم تحصل هذه الكمالات على التدريج بواسطة استعمال القوى والآلات ، فينبغي أن يكون للاشتغال والتدبير على الوجه المتوسطة من غير إفراط وتفريط حتى يكون عدلا ، والعدل عبارة عن وضع الشيء في محله ، وتحصيل ذلك بالعفة والشجاعة والحكمة ، وليس المراد بهذه الحكمة معرفة الشيء كما هو ، وهو ارتسام الحقائق في النفس ، بل المراد توسط القوة العلمية بين البلادة والذكاء ، والمراد بالشجاعة توسط القوة الغضبية فيما يغضب له ، ولا يغضب بحسب الرأي الصائب ، وهي متوسطة بين الجبن والتهور ، والمراد بالعفة توسط القوة الشهوانية فيما يشتهي ولا يشتهي ، وهي متوسطة بين الشبق والخمود ، وجميع الفضائل والرذائل متعلقة بهذه الثلاثة ، وكمال النفس الناطقة من جهة التصرف في البدن وتدبيره ، والتعلق لتحصيل الخلق المسمى بالعدالة ، وكمالها بانتقاش حقائق الموجودات فيها ، فإذا كان كذلك ، وكان النوع الإنساني خاليا عن الكمال العلمي - إلا القليل منهم ، لأن الشهوات غالبة عليهم ، والقوة الغضبية آخذة بنواصيهم - مالوا إلى ملاذّ الدنيا ، ونفروا عن تحصيل السعادة القصوى ، فقال في حقهم بعد القسم
إِنَّ الْإِنْسانَ لَفِي خُسْرٍ
( 2 ) [ العصر : الآية 2 ] وهو مشتقّ من الخسران .
مشارق أنوار القلوب ومفاتح أسرار الغيوب ( ويليه سر الأسرار في كشف الأنوار للغزالي ) — صفحة 138 | عاصم ابراهيم الكيالى الحسينى الشاذلى الدرقاوى / عبد الرحمن الأنصاري الدباغ