وقوله :
إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ
[ الشّعراء : الآية 227 ] ، المراد بالإيمان : استكمال القوة العلمية النظرية بتحصيل العلوم الحقيقية ، وهو يحصل بحصول الاعتقاد الجازم بالشيء ، وذلك قسمين ، لأنه إما أن يكون بالبرهان القاطع أو بمجرد التقليد لا غير ، والأول هو المراد . والمراد بقوله :
وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ
[ البقرة : الآية 25 ] ، استكمال القوة العملية . وقوله :
وَتَواصَوْا بِالْحَقِّ
[ العصر : الآية 3 ] يريد أنه إذا حصل استكمال القوة النظرية في سائر أنواع العلوم ، وجب عليه أن يكمّل غيره بتعديتها إليه ، شكرا للّه تعالى . وقوله :
وَتَواصَوْا بِالصَّبْرِ
[ البلد : الآية 17 ] يريد بذلك استكمال القوة العملية للغير بالعدالة التي هي الحكمة والعفة والشجاعة .
هذا تفسيرها صورة ، وأما تفسيرها حقيقة ، فاعلم أن للّه تعالى تجليات عامة وتجليات خاصّة ، أما الخاصة فلها محل وأوضاع مخصوصة مناسبة لذلك ، فالعصر صورة القلب الأكبر المحيط بالموجودات المفيدة ، القابل لفيض الوجود المبسوط ، وقد شرحنا مراتبه في رسالة سمّيناها « سر الشرائع » ، فيحصل له من القيام بوظائف العصر أسرار حروفه ، وهي العلم الكلي المطابق للمعلوم الأوّلي ، والصيانة الكلية عن كل شيء سواه ، والرحمة العامة الإيجادية التي تخرج الأشياء من العدم إلى الوجود ، والمراد بالقسم استنزال الحياة الخاصة من المقسم به ، فإذا كذب في قسمه انقطعت عنه تلك الحياة ، فالأشياء التي أقسم اللّه تعالى بها هي الأشياء التي تتنزل إليها حياة خاصة ، يدركها أهل القلوب السليمة والأرباب المستقيمة ، فأقسم بها لأجل الطالب لا له ، فإن الطالب كلما مر على ذلك الشيء استنزله من سره حياة وحكمة تقويه على السلوك ، فأقسم اللّه تعالى هنا بمعنى وقت العصر ، لأنه أشرف المعاني ، فكلما قرأ القارئ اقتبس منها قسطا على قدر استعداده .
قوله :
إِنَّ الْإِنْسانَ لَفِي خُسْرٍ
( 2 ) [ العصر : الآية 2 ] ، اعلم أنه لما تدرج مرتبة بعد أخرى حصل له في كل منها طيّ مخصوص ، وحال مخصوص ، وحكمة مخصوصة ، فإذا وصل إلى مقام الإنسانية تحصل له الاطّلاعات والعلوم المتفرقة ، فيشغله إدراك تلك عن التوجه الكلي إلى المبدىء الأول ، فيصير العلم بتلك الحضرة بالنسبة إليه في تلك الحالة كأنه منبوذ وراء ظهره ، فيبقى في الخسران لإعراضه عنها واشتغاله بما سواها .