أنّه تعرّف إليهم لما عرفوه ، ودلّهم عليه لما وصلوا إليه : [ من الرمل ]
كبرت همّة عبد * طمعت في أن يراكا
أو ما حسب لعين * أن ترى من قد رآكا
فقد صحّ من هذا أن معرفة النفس شرط في معرفة اللّه تعالى ، ولنعتبر في الدلالة على ذلك بمثال : وذلك أن الشمس محسوسة كلما قوي نورها ، لا يتمكّن البصر من رؤيتها على الكمال دون واسطة والنور ظهور لها ، فقد صارت شدّة ظهورها حجابا لها ، وليس الحجاب على الحقيقة منها ، فإن الظاهر لذاته لا يحجب من ذاته ، وإنما الحجب عليه من غيره ، والحجب ههنا ضعف البصر عن مقاومة فيضان النور ، ولكن يمكن النظر إليها بواسطة الأشياء الشفافة كالماء الصافي أو الصقيلة كالمرايا المجلوّة ، فإنّا إذا نظرنا فيها رأينا صورة الشمس بلا كلفة .
فالحقّ سبحانه وتعالى محتجب عن خلقه بشدّة ظهوره ، فلا يمكن رؤيته إلا بالوسائط ، إلا أن تلك الوسائط لما كان لا وجود لها من ذاتها ، بل وجودها من الحق تعالى ، كانت بالإضافة إلى ذاتها عدما محضا ، فلا يعرف الحق إلا بالحقّ :
[ من البسيط ]
لقد ظهرت فما تخفى على أحد * إلا على أكمه لا يعرف القمرا
لكن بطنت بما أظهرت محتجبا * وكيف يعرف من في عينه استترا « 1 »
[ الحُجب ]
تنبيه على معنى قوله صلى اللّه عليه وسلم :
« إن للّه سبعين ألف حجاب من نور وظلمة لو كشفها لأحرقت سبحات وجهه ما انتهى إليه بصره »
« 2 » . أما الحجب فقد ثبت بالبراهين أن الحق تعالى لا يستره حجاب وإنما الذي حجبه عن خلقه شدة ظهوره
هامش
( 1 ) هذان البيتان هما من قصيدة للشيخ الأكبر محيي الدين بن عربي ؛ محمد بن علي بن محمد بن عربي أبو بكر الحاتمي الطائي الأندلسي شيخ الصوفية القائلين بوحدة الوجود له أربعمائة كتاب ورسالة أشهرها : الفتوحات المكية ، وفصوص الحكم ، ( 560 - 640 ه ) .
( 2 ) رواه الطبراني في المعجم الكبير ، من حديث موسى بن عبيدة الربذي عن أبي حازم ، حديث رقم ( 5802 ) ( 6 / 148 ) ، ولفظه : « إن اللّه عزّ وجلّ دون سبعين ألف حجاب من نور وظلمة وما يسمع من نفسي شيئا من حسّ تلك الحجب إلا زهقت » . ورواه أبو محمد الأصبهاني في العظمة ، ذكر حجب ربنا تبارك وتعالى ، حديث رقم ( 3 ) ( 2 / 671 ) ، ولفظه : « والذي نفسي بيده إن دون اللّه عزّ وجلّ يوم القيامة سبعين ألف حجاب منها حجاب من نار وحجاب من نور وحجاب من ظلمة » . وأورد الحديث غيرهما .