تخطي إلى المحتوى الرئيسي

مشارق أنوار القلوب ومفاتح أسرار الغيوب ( ويليه سر الأسرار في كشف الأنوار للغزالي ) — صفحة 112

مساهمون:

ص١١٢
وعجز الخلق عن رؤيته لقوة نوره . والحجب لا تكون إلا في حق الأجسام ، وهي ههنا في حق السالكين وهي كثيرة . واختلفت طرق الحديث في تعدادها . أما الظلمانية منها فهي حجب الشكوك وشبهات الاعتقاد والجهالات والغفلة والأعراض والفتور عن واجب الخدمة وما أشبه ذلك . وأما النورية فهي الوقوف مع الكمالات وصفو المعاملات وحيازة المقامات وصفاء الأحوال ، لأن من وقف مع مقام أو حال فقد امتنع عن النفوذ في السلوك . وبالجملة فما سوى الحق حجاب عنه عند ملاحظة ذلك السوى والوقوف معه ، ومن جملتها ملاحظة السالك ذاته فإن رؤيتها حجاب عن اللّه تعالى . وقوله : « أحرقت سبحات وجهه » يعني بالسبحات أنوار تجلّيه المنسوبة للجلال ، فإنها تحرق جميع الموجودات أي تعدمها كالنار إذا استولت على شيء فإنها تذهب صورته إن كان مما يقبل الاحتراق ، وكذلك الشمس إذا قابلت مرآة صقيلة أحرق شعاعها ما كان بينهما من الأجسام القابلة للاحتراق : [ من الطويل ]
إذا قابل المرآة للشمس رونق * تولّد فيما بينهنّ لهيب
فقد تبين مما قلناه أن الحق سبحانه إذا تجلّى لشيء دون حجاب محق ذاته ، كما يذهب نور الشمس أنوار الكواكب ، وكيف يقابل الواجب وجوده محض العدم ؟ وهذه أطوار جليلة ومنازلات شريفة لا يتوصّل إلى تفصيل حقائقها إلا بالذوق ، فمن ذاق عرف . فالعارفون ينظرون إلى جمال الصنعة الإلهية فيتوصلون به إلى صورة الجمال المجرّد ، ثم منه إلى عالم الجمال الكلي ثم إلى جمال الواهب للكلّ الذي كل جمال في العالم مستفاد منه بالغيبة عن أنفسهم في مشاهدته حتى لا يبقى فيهم منهم شيء ، أولئك الذين اختارهم الحق تعالى واصطفاهم واختصّهم بمعرفته ومحبته ، ومن عدم هذا الذوق وحرم هذا الحظّ فهو المغبون على الحقيقة : [ من الطويل ]
خضعت ذليلا حين عزّت مطالبي * وآنست رشدا بين تلك المضارب ولي أرب بالجزع إن لم أقضّه * سأقضي وما قضّيت منه مآربي
فما ظنّك يا أخي - أيّدنا اللّه وإياك بروح منه وأنالنا توفيقا من لدنه - بمن وصل إلى هذه الحال ، وشرب من هذا المنهل الزلال ، واتصف بهذا الوصف الجميل ، وبلغ ذروة هذا المقام الجليل ، من الأولياء وخاصّة الأصفياء ، الذين
مشارق أنوار القلوب ومفاتح أسرار الغيوب ( ويليه سر الأسرار في كشف الأنوار للغزالي ) — صفحة 112 | عاصم ابراهيم الكيالى الحسينى الشاذلى الدرقاوى / عبد الرحمن الأنصاري الدباغ