تخطي إلى المحتوى الرئيسي

مشارق أنوار القلوب ومفاتح أسرار الغيوب ( ويليه سر الأسرار في كشف الأنوار للغزالي ) — صفحة 110

مساهمون:

ص١١٠

فصل في خاتمة الكتاب

قال عليه السلام : « من عرف نفسه عرف ربّه » « 1 » . فإن تشوقت إلى معرفة حقيقة هذا الخبر فاعلم أنّه لا يصل إلى معرفة حقيقة نفسه إلا من زكّاها ، ولا تحصل تزكيتها إلا بالرياضة القلبية التامّة حتى تصفو وترقّ وتلطف ، فإنها حينئذ تبصر ذاتها بشدّة صفائها ، فإذا صارت كذلك تجلّى لها نور الحق المشرق على كل ذات صافية متوجهة لربّها ، فعرفت بالنور المتجلّي لها من جناب الحقّ ذاتها وكونها نسخة الوجود ، فتشاهد في نفسها من بديع الصنعة ، وغريب الحكمة ، ومواقع أسرار الجمال ، وفنون أوصاف الحكم المبهج ، ما يحصل لها به الافتتان بما هي عليه من الكمال ، ثم يحدث لها الشوق إلى كمال إدراك حقيقتها فيصفّيها ذلك الشوق ، وكلما ازدادت صفاء ازدادت إدراكا واطلاعا وكشفا ، وكلما كثر إدراكها لاح لها الجمال الكلي الذي هو أشرف المبدعات وهو الذي يسمّى عالم الجمال ، فتتعلق بعشقه فيرقى بها إلى محبة واهب هذا الجمال ومبدعة وفاطره الحقّ تعالى ، الذي كل جمال في العالم منه وجد وبه قام ، إلا أن بعض السالكين لما كشف له في سلوكه عن جمال نفسه ، ورأى ما لها في عالمها من بدائع الكمال ، وما اشتملت عليه من محاسن الإبداع ، اعتقد أنها ربّه . ولم يبلغ به التوفيق إلى رؤية بارئها فعبدها ، فكان حجاب هذا من ذاته ، نعوذ باللّه من سوء القدر . فإن كل من أدركته بك فهو مخلوق مثلك ، والحق تعالى لا يدرك بشيء سواه ، كما ورد في بعض الكتب المنزّلة على بعض الأنبياء عليهم السلام : « كنت كنزا لا أعرف فأردت أن أعرف فخلقت خلقا وتحبّبت إليهم بالنعم حتى عرفوني فبي عرفوني » « 1 » . فلو لا
هامش
( 1 ) هذا الحديث سبق تخريجه .