تخطي إلى المحتوى الرئيسي

مشارق أنوار القلوب ومفاتح أسرار الغيوب ( ويليه سر الأسرار في كشف الأنوار للغزالي ) — صفحة 108

مساهمون:

ص١٠٨
وكيف لا يكون النظر إلى الجمال بهذا الاعتبار عبادة والناظر إليه مطالع لفاطره وواهبه ، ومستدلّ به على جماله الذي لا ينبغي إلا له ، إذ لا يعطي الجمال إلا من هو أجمل منه ، ولا نسبة بين الجمالين كما لا نسبة بين المجاز والحقيقة والفعل والفاعل ، بل لا يسمّى الجمال المبدع جمالا إلا من حيث النظر إلى موجده ، وأما بالنظر إلى ذاته فهو مجاز محض ، والنظر إلى الواهب هو المقصود ، وهذا موصل إليه ودالّ عليه : [ من البسيط ]
ما فتّح النور إلا ذلك النور * فما انتظارك والمنثور منثور « 1 »
ولهذا يوجد في المحبين للّه تعالى من يغلب عليه سكر المحبة ، وتظهر عليه صفة الأنس ، فيعانق الجذرات ، ويقبّل أصناف النبات وأنواع الحيوانات ، دون تفرقة بين الحسن والقبيح منها ، لما يلوح له في هذه المصنوعات من لطائف أسرار الصانع المحبوب ، فيقول : [ من الطويل ]
ألا أيها الوادي الذي فاح طيبه * عسى لك عهد من سعاد قريب وحيّيت من واد بكلّ تحيّة * لأنّك من أجل الحبيب حبيب
ومثل هذا نسلّم له حاله ولا نقتدي به . والغالب على أولياء اللّه تعالى الحفظ عن مناهي الشرع ، فلا ينزلون إلا إلى ما هو مباح ، فإن حركاتهم بالحق وعن الحقّ ، لا عن باعث الطبع . ولهذا قال بعض العلماء : إنّ من صحّ قصده في التوجّه إلى الحقّ ففعل ما يفعله ذلك عبادة كاملة في حقّه ، ما لم يخطر له تردّد في حين الشروع فيه ، إلا أنّا نشترط في ذلك موافقة الشرع المحمدي . فقد صحّ من جميع ما قلناه أن محبة اللّه تعالى وقربه هو الغاية القصوى والسعادة العظمى ، وأن محبة ما سواه بقصد الوصول بها إليه من العبادات . قال عليه السلام : « اللّهمّ ارزقني حبّك وحبّ من يحبّك وحبّ من يقرّبني
هامش
( 1 ) هذا البيت هو أحد بيتين لابن لؤلؤ ، يوسف بن لؤلؤ بن عبد اللّه الذهبي ، بدر الدين من شعراء الدولة الناصرية بدمشق حيث توفي سنة 680 ه . . وكانت ولادته سنة 607 ه . ونص البيتين هو :ما فتّح النور إلا أشرف النور * فما اشتغالك والمنثور منثور يا حبذا ودروع الماء تنسخها * أنامل الريح لولا أنها زور