تخطي إلى المحتوى الرئيسي

مشارق أنوار القلوب ومفاتح أسرار الغيوب ( ويليه سر الأسرار في كشف الأنوار للغزالي ) — صفحة 107

مساهمون:

ص١٠٧
ولا شك أن الإنسان كما ذكرناه اختصار كتاب الأكوان ، ونسخة العالم الأكبر بالبرهان ، وهؤلاء دون الأولين في الرتبة ، لعجزهم عن تجريد الجمال ومشاهدتهم إيّاه في نفوسهم ثم في العالم الروحاني ، فإن من شاهد ذلك في نفسه ثم رأى نفسه أنها حقيقة من حقائق العالم النوراني ثم غاب عنها في مشاهدته كان نورا كليّا علويّا .

الصنف الثالث : وهم العوامّ الذين لم يحبّوا الجمال إلا في محلّ مخصوص بصنف أو بشخص مّا ،

فهؤلاء إن كانت محبتهم لهذا الجمال المعيّن بالأشخاص لمجرّد لذة الطبع خاصّة دون أن يقارن ذلك بشهوة محرّمة في الشرع فهو مباح ، وكذلك إن اعترضته فتركها تنزّها عنها أو مروّة ، فإن تركها خوف مقام ربّه ، وجاهد نفسه عليها خوف السقوط بارتكابها فهذا من المجاهدين ، فإن مات في جهاده ذلك مات شهيدا . قال عليه السلام : « من عشق فعفّ وكفّ ثم مات مات شهيدا » « 1 » ، إلا أن هذا الصنف محجوبون عن اللّه تعالى بحظوظهم وعن العالم العلوي ، ولا يزول عنهم هذا الحجاب حتى يكون مطلوبهم الحقّ تعالى . وأما من أحبّ الجمال واعتقد أنّه غاية الطلب وأن لا شيء فوقه أكمل منه ولا أشرف ، وجحد ربّ الجمال الذي الجمال خلق من خلقه - كما يحكى عن طائفة من الكفّار - فهذا كافر باللّه عابد وثن . وإنما يتصوّر أن يكون النظر إلى الجمال عبادة بشرطين : أحدهما القصد بالتعلّق به الوصول إلى خالقه ، إذ لا يستدلّ على علم الصانع وقدرته إلا باتقان صنعته وإحكامها ، والثاني التعرّي عن الشهوات المخلّدة بصاحبها إلى عالم البهائم : [ من الطويل ]
ألم تر أنّ البدر يوجد ضوءه * بصفو غدير وهو في أفق السما
هامش
- وترجمان الأفكار ، وهما مطبوعان ، ولد سنة 1246 ه ، وتوفي سنة 1328 ه . والتخميس هو التالي :لي مظهر عرفته الناس كابن جلا * وارتاض جسمي بروض الحب فانتحلا وللفنا حينما حالي به وصلا * أصبحت ألطف من مرّ النسيم على زهر الرياض يكاد الوهم يؤلمني * ما زال سكري عموما يجلب الفرحا ولم ترد لي على قيد الخصوص رحا * لذا تراني مدى الأيام منشرحا من كل معنى لطيف أجتلي قدحا * وكل ناطقة في الكون تطربني( 1 ) أخرجه العيني في عمدة القاري ، باب فضل التهجير إلى الظهر ( 5 / 171 ) ، وأورد تخريجه العجلوني في كشف الخفاء ، حديث رقم ( 2538 ) ( 2 / 345 ) ، وأورده غيرهما .