إلهية لكن بعضها أكمل من بعض وألطف . فالجمال الكلي روح الجمال الجزئيّ وسرّه ، والجمال الباطن روح الجمال الظاهر وسرّه ، والجمال المطلق القدسيّ روح الكل وسرّ الكلّ ، فهو إذا روح الروح وسرّ السرّ ، تعالى من انفرد به : [ من الطويل ]
ألمّ بنا وصف أجلّ من الوصف * أدقّ من المعنى وأخفى من اللطف
تمازجه الأرواح وهي لطيفة * إذا هو روح الروح والروح كالطرف
نعمنا به في أرغد الغيش برهة * ورا رتبة المعقول في عالم الكشف
فوا عجبا من باطن وهو ظاهر * ومن نازح دان ومن واضح مخفي
أأمنع عن ذاك الحمى وهو موطني * أأبعد عن جيرانه وهم إلفي
سأقدم إمّا منيتي أو منيّتي * وأيسر شيء قد رضيت به حتفي
وأما اختلافه من حيث الدلالة فالجمال الظاهر دليل على الباطن ، والجزئيّ دليل على الكلي ، والمقيّد دليل على المطلق ، وكلها تشير إلى الجمال الأعلى .
وأما المتعلقون بالجمال فهم ينقسمون إلى ثلاثة أصناف :
الصنف الأول : هم الذين بلغ بهم السلوك إلى محبة الجمال المجرّد
وكمّلوا بعشقه ذواتهم ، فلما كملت توجّهوا بها لوجه الحق تعالى ، وهؤلاء هم الخصوص .
والثاني : الذين أحبّوا الجمال الظاهر المتعلق بالأجسام الجميلة
إلا أنهم لم يقفوا فيه مع محلّ معيّن بل تعشّقوا الجمال المبدّد على صفحات الذوات الجميلة ، وشاهدوه في جميع الصور المستحسنة ، ولا يفرّقون فيه بين الحيوان والنبات ، بل يشهدون الجمال القائم بالكلّ ، إذ لكلّ موجود في العالم نصيب من الجمال الإلهي قلّ أو جلّ ، والعارف الكامل المعرفة يشارك جميع الموجودات بما جمع فيه من الأسرار المفرّقة في العالم الكلّي ، وبذلك القدر يناسب جميع الصور الروحانية المشرقة على الهياكل الجسمانية ، فيقول : [ من البسيط ]
أصبحت ألطف من مرّ النسيم سرى * على الرياض يكاد الوهم يؤلمني
من كلّ معنى لطيف أحتسي قدحا * وكلّ ناطقة في الكون تطربني « 1 »
هامش
( 1 ) هذان البيتان خمّسهما الشاعر البيروتي قاسم محمد الكستي أبو الحسن ، له ديوان مرآة الغريبة -