ولو فرضنا تعرّي الأجسام عن روح الجمال حتى لا يفهم مع الجسم شيء إلا كونه من اللحم والدم والعظم والجلد كجسم الميت لوجدنا النفس تنفر عن ذلك بطبعها كما تنفر عن جسم الميت ولو كان محبوبا لها قبل الموت ولكانت تتفطّن أن محبوبها ذلك المعنى الزائد على الجسمية الزائل عنها الآن ، ولقالت :
[ من الطويل ]
إذا ارتحلت عن أرض نجد أحبّتي * فلا سال واديها ولا اخضرّ عودها
والنفس لا تحبّ مجرّد الجسم أصلا إذ لا مناسبة بينهما ، فإنما تجذبها أوّلا روح قريبة الشبه بها تذكّرها بألفها معها محلّها الأوّل ، لكن النفس لا تتنوّع ولا تكمل إلا بالجسم ، فتحبّه من أجل أنّه مطلع شمسها ، ومهبط أشعّة نورها ، كما تحبّ الدابّة لأنّها مركب موصل إلى المحبوب لا لذاتها ، وعلى الانفراد لا تحبّ أصلا . وأما قولك : إن هذا لا يوصل إليه بالكسب فنعم ، لا يوصل إلى شيء دقيق أو جليل إلا باللّه وليس للإنسان من ذاته إلا العدم ، فمن أراده الحقّ بشيء أوصله إليه ويسّره عليه . فقد ثبت من هذا أن الجمال الجزئي إنما هو من إشراق الجمال العلوي المجرّد ، والجمال المجرّد من إشراق الجمال القدسي الواجب ، وأن التعلق بالجمال الأدنى سبب موصل إلى الأعلى على ما جرت به سنّة اللّه :
وَلَنْ تَجِدَ لِسُنَّةِ اللَّهِ تَبْدِيلًا
[ الأحزاب : الآية 62 ] .
فصل : [ في أحوال المتعلّقين بالجمال ]
وأما أحوال المتعلّقين بالجمال فتختلف باختلاف متعلّقاتهم منه ، وهو ينقسم على وجه آخر بحسب غرضنا إلى مطلق ومقيّد ، فالمطلق ما ينفرد به الحقّ تعالى في ذاته ، والمقيّد ينقسم إلى كلّي ، وهو ما يعمّ سائر ذوات العالم علوا وسفلا ، وجزئيّ وهو ما يخصّ بعض الذوات دون بعض ويتميّز به كلّ ذات عن غيرها بالكمال والنقص . وكل واحد من الكلي والجزئيّ ينقسم إلى ظاهر وباطن .
فالباطن هو المجرّد عن الأجسام وهو ما يظهر على عالم النفس من أنوار الحقّ تعالى ، والظاهر ما يتعلّق بالأجسام ويدرك محلّه بطريق الحواسّ ، وهو ينقسم إلى ما يتعيّن له محلّ وإلى ما لا يتعين له محلّ . وجميع أصناف الجمال أنوار روحانية
هامش
- الديلمي . قال عنه الزبيدي : شاعر زمانه فارسي الأصل من أهل بغداد تشيّع وغلا في تشيّعه ، مات سنة 428 ه ، وجهل تاريخ ولادته .