وصل إلى أن يطلب الدنيا به إلا بعد أن ترك الدنيا والآخرة حتى حصل هو له ، فالخطاب إذن لأهل الدنيا الذين هم أهلها المحتجبين بها .
قوله : ( وقال لي : إن لم تدر من أنت لم تفد علما ولم تكسب عملا ) .
قلت : المحجوب في الخيبة حتى يرى من هو فإنه من ظفر بوجود ما ظفر بمقصوده ولقد أعجبني قول الشيخ علي الحريري :
اللحم رطل بدرهم ما قدر قيمة جثتي * من كان يعرف وجوده ذاك غلام جيد
قوله : ( وقال لي : قد رأيت مقامي ورأيت الكون وأريتك نوريتك فأين ذهبت بها ذهبت بها ، فعلقت فتمخضت فوضعت فاستسعيتك فاسترهبتك فاستخدمتك ) .
قلت : هذا التنزل يذكر فيه حال الإنسان من أول الكون وتدريجه في المراتب إلى أن صار نطفة في بطن أمه ، فتمخضت أمه بعد ما علقت ، فوضعت فلما بلغ وقت السعي استسعاه اللّه أي جعله يسعى ، ثم خاطبه بالتكليف فاسترهبه ، فاستخدمه ، وأصله نور تطور في مراتب ظهوره ، فلذلك قال أريتك نوريتك حين رأى الكون أي التكوين ، وكيف هو ، وقوله ذهبت بها يعني أن الحق ذهبت بها في سلسلة الترتيب في عالم الخلق ، وقد كانت من عالم الأمر .
قوله : ( وقال لي : إن كنت من أهل القرآن فبابك في التلاوة لا تصل إلا منه ) .
قلت : أهل القرآن هم القوم الذين وقف بهم الاستعداد هناك فقاموا بما وجب عليهم وبما طلب منهم .
قوله : ( وقال لي : كذلك بابك فيما أنت فيه من أهله ) .
قلت : يعني استعدادك هو الذي جعلك فيما أنت فيه من أهله فإذن لا تصل إلا من الباب الذي أوقفك فيه استعدادك ، وقوله من أهله أي المستعدين له فهم أهله .