تخطي إلى المحتوى الرئيسي

شرح مواقف النفري — صفحة 405

مساهمون:

ص٤٠٥
الجنة ، وأما السيئات فلا لها مكان تكون فيه محاسن إلا النار ، وكونها محاسن ليس إلا أنها أكثرها شهوات ، فالشهوات محاسن النار فحفت الجنة بالمكاره حال العمل وبالمحاسن حال الجزاء ، وحفت النار بالمحاسن حال العمل وبالمكاره حال الجزاء ، وهو في هذه التنزلات قد خرج إلى العلم بالكلية وأعرض عن التعرفات بالكلية ، فهذا الكلام نصيب أهل البداية والصواب أن يقال في البداية البداوة . قوله : ( وقال لي : اتبعني ولا تلتفت يمينا على الحسنات ، واتبعني ولا تلتفت شمالا على السيئات ) . قلت : هذه صورة من هو متوجه إلى اللّه تعالى وهو يلحظ الحسنات والسيئات بمؤخر عينيه كونهما عن جانبيه ولو كانتا أمامه لم يكن مقبلا على اللّه تعالى ، ولا مخلصا له تعالى . قوله : ( وقال لي : ما حسنتك مطيتي فتحملني ولا سيئتك تحجبني فتصدني ، أنا أقرب إلى الحسنات من الهم بالحسنات وأنا أقرب إلى السيئات من الهم بالسيئات ) . قلت : هو يوصيه بالإعراض عن الحسنات لأنها لا تحصل له الحق وعن السيئات لأنها لا تحجبه عنه ثم إنه بين له محلا يمكن فيه أن يتعلق بالحق لا بالحسنات ولا بالسيئات ، وهو أن يرى أن اللّه تعالى من حيث اسمه الهادي هو الملهم بقصد الحسنات وكان يمكن عندما يهم بالحسنة أن يذكر أنه تعالى هو الهادي إليها فيحضر مع الحق لا مع الحسنة ، ومثل ذلك في السيئة ، فإنه يمكنه عند الهم بالسيئة أن يستحضر الاسم المضل ، فيلاحظ أحكام اللّه تعالى في البلاء الذي هو السيئات فلعل بركة الحضور مع اللّه تعالى ، ولو من حيث اسمه المضل ثمة أن يكون له قدم في الحضور مع اللّه عزّ وجلّ فهذا ثمرة قوله أنا أقرب إلى الحسنات والسيئات من الهم بها أي العزم عليها . قوله : ( وقال لي : أنا أقرب من الهمّ إلى القلب المهتم ) . قلت : قد ذكر قربه من الحسنات والسيئات ، وأنه تعالى في طريق الحسنات والسيئات فكيف يتعداه القلب ، ثم ذكر أنه أيضا في طريق القلب إلى الهم ، فكيف يتعداه القلب ، فالمقصود أنه تعالى قريب لمن يروم التعلق به وأن السوى أبعد منه فكيف يقع التعلق بالأبعد دون الأقرب أو قبل الأقرب .
شرح مواقف النفري — صفحة 405 | عاصم ابراهيم الكيالى الحسينى الشاذلى الدرقاوى / عفيف الدين التلمساني