تخطي إلى المحتوى الرئيسي

شرح مواقف النفري — صفحة 391

مساهمون:

ص٣٩١
كانت حليته الدالة على أوصافه في النطق والكتابة ، لولا الوجود لم يكن قال وهذه حليته أن أثبته كما تقدم ، ولما كانت جملة كل موجود موجود وتفصيله ليس له من ذاته إلا العدم ، وما حقيقته العدم لا يجوز ظهوره إلا بالوجود ، قال وهذا مبلغه أنا جوزته ، بالمعنى الذي تقدم شرحه . وأما التذكير الذي في لفظ هذا التنزل مما العادة في مثله التأنيث فالمراد في الكل المعنى ، ولكونه غلب حكم المعنى وهو مذكر ، ذكر اللفظ في الكل ، واعلم أن هذه المعاني وهي الممكنات لولا إحاطة العلم القديم بها لم يكن لها قبل ظهورها في الأعيان ثبوت ، لكن العلم المحيط أكسبها وجودا علميّا أزلا وأبدا ، فإن العلم الإلهي مدرك للماضي الذي وقع منها وللمستقبل الذي لم يقع منها ولوقوعه إذا وقع مما لا بد من وقوعه ولما يمتنع وقوعه منها إذا استمر امتناعه ، ولما جوز وقوعه من الممتنع أن لو وقع كيف كان يقع إدراكا واحدا لا يختلف لا يدخل تحت الزمان بل الزمان وما فيه تحته ، فعلم اللّه تعالى بالكون أنه سيكون عين علمه به أنه قد كان علما أزليّا أبديّا واحدا لا ينقسم ، وإذا كانت نقطة المركز التي لا تنقسم موازية لكل نقط المحيط ، ولم يتكثر بكثرة الموازيات ، فعلم اللّه تعالى أولى أن لا يتكثر بكثرة المعلومات . قوله : ( وقال لي : أنا من ورائه ومن وراء ما عرفته ، لا تعلمني علومه ولا تشهدني شواهده ) . قلت : يعني أنا من وراء معناك أي محيط به ومن وراء ما عرفته أي لا أعرف بمعرفة ولا أعلم بعلم ولا أشهد بشاهد ، ولأنه لا يعلمه إلا هو كان كذلك . قوله : ( وقال لي : إن لم أنتصر لك لم تثبت وإن لم تثبت لم أتعرّف إليك . وقال لي : اذكرني تعرفني وانصرني تشهدني ) . قلت : انتصاره له أولا لأنه أوجده بوجود منه ، والثاني أنه انتصر له بأن قواه بالوجودية القيومية حتى ثبت الذكر من أراد معرفته تعالى ، وأما النصرة التي طلبها منه هنا فهي أن يوافق التعرف عند وروده ولا يقبل الشبه المعارضة لما أثبته ، والعبد لا يقدر على النصرة المذكورة إلا إذا كان الاستعداد يقتضيها ، وليس المراد إلا كذلك ، كأنه قال إن كان استعدادك بحيث تنصرني فإنك تشهدني .
شرح مواقف النفري — صفحة 391 | عاصم ابراهيم الكيالى الحسينى الشاذلى الدرقاوى / عفيف الدين التلمساني