قوله : ( وقال لي : معناك لا يسكن الديار ولا يأكل من الثمار ) .
قلت : معنى هذا أنه معنوي لا جسماني .
قوله : ( وقال لي : معناك لا يجنّه الليل ولا يسرح بالنهار ) .
قلت : يعني أنه ليس من عالم الأجسام .
قوله : ( وقال لي : معناك لا تحيط به الألباب ولا تتعلق به الأسباب ) .
قلت : قد تبين أنه يريد المراتب المعنوية ، والإنسان هو جماعها .
قوله : ( وقال لي : هذا معناك أنا خلقته وهذه أوصافه أنا جعلته وهذه حليته أنا أثبته وهذا مبلغه أنا جوّزته ) .
قلت : اعلم أن معنى الإنسان عند أهل اللّه تعالى هي حقيقة الحقائق ، والمرتبة الجامعة للمراتب ، فإن كانت المراتب والمعاني لا نهاية لها فلمعنى الإنسان لا نهاية له ، واعلم أن معنى الإنسان لما كان هو ما لا يتناهى من المعاني كان مدركا لما لا يتناهى منها ، والمراد بإدراكه ما لا يتناهى أنه يعلم ما لا يتناهى أن لو أمكن حصره لأدركه الإنسان ، فليس امتناع الإدراك من قبل أن الإنسان الذي هو الإنسان لم يقبل إدراك ما لا يتناهى بل من جهة أن ما لا يتناهى لا يفرغ إدراكه أبدا ، لكن هو مدرك من جهة أنه كما قلنا لو تعين لأدركه الإنسان ، والمعاني التي جماعها هو معنى الإنسان سماها قوم الأعيان الثابتة ، وسماها قوم الماهيات ، وسماها قوم الشؤون ، وسماها قوم الأحوال ، وسماها قوم المراتب ، وسماها قوم المعاني ، وقال قوم : هي مجعولة ، وقال قوم : ليست مجعولة ، وقال قوم هي قبل صورها لا موجودة ولا معدومة ، وقال قوم معدومة فقط ، وقال قوم قد تكون موجودة في الأذهان معدومة في الأعيان .
ولما كانت هذه المعاني قبل ظهور الوجود بها لا تشكل لها في ذاتها قال في هذا التنزل هذا معناك أن خلقية التخليق التخطيط والتشكيل قال تعالى :
مُخَلَّقَةٍ وَغَيْرِ مُخَلَّقَةٍ
[ الحجّ : الآية 5 ] وذلك لأن الوجود منه ولولا الوجود لم يكن للممكنات تخليق . ولما كانت أوصاف هذا المخلّق لذواته لا تظهر بغير الوجود قال وهذه أوصافه أنا جعلته أي لولا أنيتي لم يكن لشيء ذات ولا وصف ، ولما