تخطي إلى المحتوى الرئيسي

شرح مواقف النفري — صفحة 383

مساهمون:

ص٣٨٣
فالطلب يكون مسبب الغيبة ثم قال له : الغيبة قاعدة ما بيني وبينك في إظهارك معناه أن كل ما أظهرته فإنه يكون في أصل قاعدة الإظهار غائبا عني أي محجوبا فكيف تكون الغيبة مطلوبة لمن هي حاله وهو فيها فحصل من مجموع ما ذكر أن الرؤية لا تكون مع الطلب والثاني أن الغيبة لا تطلب وإلا كان تحصيلا للحاصل . قوله : ( وقال لي : ألا تعلقت بي في الوارد كما تتعلق بي في صرفه ) . قلت : قوله : ألا ، هو بمعنى هلا التي للتحضيض وفي الكلام غيب تقديره يا عبد إذا ورد عليك الوارد مني ضعفت عن حمله فيتعلق بي أن أصرفه عنك فهلا كان الأمر بالعكس وهو أنه إذا ورد الوارد تعلقت بي فيه فهذه كانت بكون حياتك ، ومعنى التعلق بي أن تتلقى تعرف الحق تعالى إليه من ذلك الوارد ولا يعكس فيتعلق بالحق تعالى في أن يصرفه عنه . وقد ورد عن بعض الأكابر أنه ورد عليه الوارد فضعف عن حمله فأخذ حاجبه بظفره حتى أدماه ، وبعضهم جرح رجله قاصدا أن يشغله الألم عن الوارد فرارا من الوارد ، وذلك لأن الوارد يطالب بالفناء ، والفناء أخو الموت ، والموت لا يشتهى ، ولقد ورد عليّ مرة وارد في جبال إنطاكيا فأخذت منه عن حس فقيل : أتحب أن ترى اللّه فقلت : نعم ، فقيل : تعالى ، فكنت أجد الروح تنفصل عن جسمي من عند رجلي طالعة إلى حلقي ففاق نفسي وتوهمت أن المنية قد أدركتني وكنت سمعت من الشيخ قدسه اللّه قبل هذه الواقعة أن الفقير إذا أراد أمرا جمع نفسه عليه فإنه ينفصل فذكرت هذا القول في تلك الساعة فقلت دعني أجمع نفسي على عود روحي إلى جسدي فرارا من الموت ففعلت فعادت الروح إلى الجسد وعاد إليّ حسي فواقعني الندم على طلب عود روحي إليّ وأيقنت أني تسببت في عودي عن الحق تعالى بعد أن أمكنتني الفرصة وقلت ليتني لا سمعت من الشيخ تلك المقالة فلقد حصل لي بها الضرر . قوله : ( وقال لي : التعلق الأول بي التعلق الثاني بك ) . قلت : التعلق الأول الذي يلام العبد على تركه هو التعلق بالحق تعالى في الوارد ، وأما التعلق الثاني فهو التعلق بالحق تعالى في صرف الوارد ، وهذا التعلق الثاني هو تعلق الطلب حظ النفس ، فهو تعلق بالنفس في الحقيقة لا بالحق تعالى .
شرح مواقف النفري — صفحة 383 | عاصم ابراهيم الكيالى الحسينى الشاذلى الدرقاوى / عفيف الدين التلمساني