أقصى علم العلماء ، أي في مبلغهم ، وكتابته معنوية ، فالعالم يريد أن يعبره ويعبر عنه لأن ذلك هو من شأنه ؛ إذ لا قاعدة لصاحب العلم إلا وهو يتوهم فيها خلاف ما فهم منها ، وذلك هو قوله : لأن العبارة والعبور حدّة ، وأما كون العارف لا يعبره فلأن ما يخاطب به هو شيء واحد بعينه فلا يعبره ، وقوله : لأنه مقامك ، في إرشاد ذلك العالم .
65 - موقف العبدانية
قوله : ( أوقفني في العبدانية وقال لي : أتدري متى تكون عبدي إذا رأيتك عبدا لي منعوتا عندي بي لا منعوتا بما مني ولا منعوتا بما عني ، هنالك تكون عبدي فإذا كنت هنالك كذلك كنت عبد اللّه وإذا كنت عبد اللّه لم يغب عنك اللّه ، وإذا كنت منعوتا بسوى اللّه غاب عنك اللّه فإذا خرجت من النعت رأيت اللّه فإن أقمت في النعت لم تر اللّه ) .
قلت : معنى العبدانية هو ما يثبت به لكل ولي مقامه من العبودية مثاله أن من شهد الحق تعالى من اسمه اللطيف وكان اسمه الذي سماه به أبواه إبراهيم مثلا فاسمه في الحقيقة العبدانية عبد اللطيف ولا يلتفت إلى كون أبويه سمياه إبراهيم ، وكذلك حكم من شهد الحق تعالى من حضرة الاسم فعبدانيته تختص بذلك الاسم حتى تنتقل إلى غيره فينقل عبد اللّه إلى الاسم الذي انتقل إليه . وقد ألف الشيخ محيي الدين بن العربي قدس اللّه وجهه العزيز كتابا مفردا في المعنى وسماه « العبادلة » وإنما أراد بتلك الأسماء التي ذكرها نسبة الأولياء إليه تعالى من حضرات الأسماء المسؤولة عليهم وأعلى مقاما من هؤلاء الموسومين بالعبدانية من وصل إلى مرتبة أن يكون عبد اللّه ، فإن هذا الاسم هو اسم الذات ، والمنعوت بعبدانيته يكون من أهل شهود الذات المتجاوزين مراتب الصفات ، فهذا التنزل يقول فيه لوليه بلسان حضرة الذات ، إنك إنما تكون عبدي إذا رأيتك عبدا لي ، أي للذات ، منعوتا بذلك عندي أي في حضرة ذاتي ، لا منعوتا بما مني من الصفات ، ولا منعوتا بما عني من الأفعال ، فإذا كنت كذلك كنت عبد اللّه ، وأما قوله وإذا كنت منعوتا بسوى اللّه غاب عنك اللّه ( لأن الحق لا يحضره سواه ) ، وإذا خرج من النعت بالسوى رأى اللّه . . . وما بقي من التنزل فمعلوم .