فيرى بظاهره ظاهر الحق ، وهذا إذا حصل لأحد لم تقدر الأفكار ببراهينها ولا الحواس بقوانينها إن تشككه في شيء مما رأى ، بل تصير معينة له ، وشاهدة بصحة ما أدركه ، لكن النطق الإخباري باتصاله إلى المحجوب لا يفي ولا يبلغ العقل المحجوب منه إلى ما به يكتفي .
2 - وأما القسم الثاني من الحجب الخمسة وهو حجاب العلوم ، ووجه حجابيته أن العلوم إما منقول ، وإما معقول ، فأما المنقول فهو على مقدار العقول لأن النبي عليه الصلاة والسلام قال : « نحن معاشر الأنبياء أمرنا أن نخاطب الناس على قدر عقولهم » « 1 » فدخل بهذا الاعتبار المنقول في قسم المعقول ، فنتكلم في المعقول ، ونقول إنه جار على ما وجد بالحواس إذ أصول مقدماته لا بد وأن ترجع إلى إدراك الحواس وفي هذا كفاية ، فنحن نقسم المعقول إلى قسمين :
أ - قسم وردت الشريعة المطهرة بتصديقه فهو حق .
ب - والقسم الثاني مردود بالمنقول في مقتضى الحق ، وبالمشهود في مقتضى الحقيقة ؛ ويبقى ما صدقه النقل فهو الحق الشرعي ، ونحن مخاطبون به في طور العلم :
ولكن للعيان لطيف معنى * لذا سأل المعاينة الكليم « 2 »
فإن قلت : هل الشهود يطالب بفراق السنة الإلهية ومقتضى الشريعة الربانية ؟
فالجواب لا ، ولكن قال أهل المشاهدة : إنه لا يطالب بفراق السنة الشريعة المطهرة ، ولكنه يطالب بالعمل بها في سنة دون سنة ، وفي عزيمة دون عزيمة فافهم . وأما أنا فأقول إن الشهود لا يطالب بفراق الشريعة بوجه من الوجوه أصلا .
فنعود ونقول : إن صاحب المواقف يرى أن العلم ترفعه المعرفة فكيف الوقفة ، فكيف الرؤية ، فالعلم عنده حجاب لنزول الخطاب منه إلى مقدار العقول المحجوبة ، فإذا جاء الكشف صارت تلك العقول غير محجوبة لزمها القيام بالأمر على الشهود بما هو عليه .
هامش
( 1 ) رواه الديلمي في الفردوس بمأثور الخطاب حسب ما أورده العجلوني في كشف الخفاء حديث رقم ( 592 ) [ 1 / 225 ] .
( 2 ) هذا البيت أورده ياقوت الحموي في معجم الأدباء ، ونسبه إلى أبي محمد بن حزم الأندلسي ، وكذلك فعل المقري التلمساني في نفح الطيب من غصن الأندلس الرطيب ونسب في الموسوعة الشعرية من إصدار المجمّع الثقافي إلى الأمير الصنعاني المتوفّى سنة 1182 هجرية .