قوله : ( وقال لي : الحجب خمسة : حجاب أعيان ، وحجاب علوم ، وحجاب حروف ، وحجاب أسماء ، وحجاب جهل ) .
قلت : هذه الخمسة قد تعينت أنها حجب ، فأما الأعيان فهو كل ما يرى بالعين من الأجسام والألوان وجهة الاحتجاب بها هو ما يتوهمه الحس البصري من تغايرها في جواهرها وفي أعراضها من اختلافها بالحد والحقيقة للفصول التي يقال إنها للأنواع يمتاز بها بعضها عن بعض فبهذا احتجب المحجوبون عن إدراك الحقيقة في نفسها ، ولو أنصفوا لعلموا أن الحس يكذب وأن الشهود لا يكذب ، ولولا أن أرسطو جعل الأجناس العالية عشرة لكان اتحاد المجموع بالجنس كافيا في أنها واحد وإن جعلها أرسطو عشرة هربا من أن يرفع فيرتفع إلى الموجود وهو واحد عند خصوم أرسطو وهم برمنيدس وطاليس ومن وافقهم ، وقد ذكرهم في كتابه المسمى بالسماع الطبيعي ، وإنما قلنا إنه لو سامح وترك المغالطة لكان الجنس العالي واحدا وهو الموجود ، وأنه إنما ذكر الأجناس العالية على أنها عشرة على أن جعل الجوهر جنسا واحدا جعل معه من الأعراض أجناسا عدها تسعة فصارت عشرة ، والحق إن هذه تنقسم إلى قسمين :
1 - جوهر ، وعرض . وهذان الجنسان يدخلان تحت معنى الموجود فيكون الموجود هو الجنس العالي ، وهذه الطريقة التي بها يصير الجنس العالي واحدا هي الطريقة التي سلكها هو إلى أن صير الأجناس التي لا تنحصر كلها داخلة تحت عشرة أجناس ، فهو فيما اعتقده كما قال اللّه تعالى :
يُحِلُّونَهُ عاماً وَيُحَرِّمُونَهُ عاماً لِيُواطِؤُا عِدَّةَ ما حَرَّمَ اللَّهُ فَيُحِلُّوا ما حَرَّمَ اللَّهُ
[ التّوبة : الآية 37 ] الآية بكمالها ، ولما كان أرسطو رئيسا في أتباعه لم يخالفه أحد منهم ، وإنما خالفه من خالفه من المتشرعة أهل النظر رضي اللّه عنهم فجعلوا جنس الأجناس واحدا ، ثم اختلفوا في ذلك الواحد ، والذي خاف منه أرسطو في أن يجعل جنس الأجناس هو الموجود أن يقوم على وحدانيته أدلة القائلين بأن الموجود واحد ، ومن جملة أدلة القائلين بأنه واحد برهان قاطع وهو قولهم إنه إن لم يكن واحدا فيجب أن يكون مع غيره قطعا حتى يكون أكثر من واحد ، لكن غير الموجود هو ما ليس بموجود فإذن الموجود يدخل في حقيقة اللاموجود ، وذلك محال لأنه جمع بين النقيضين ، وقد خرجنا عن طريقنا ، فنعود ونقول : حجاب الأعيان هو ما ذكرناه من توهم الحس للاختلاف المفضي إلى التغاير ، فأما حس من حصل له التجلي فإنه ينشق حسّه