عنديتي أن تحتجب عن العلم والمعلوم بالجهل كما احتجبت فإذا جاء النهار وجاء الرب إلى عرشه جاء البلاء فألق الجهل بين يديك وخذ العلم فاصرف به عنك البلاء وأقم في العلم وإلا أخذك البلاء ) .
قلت : اعلم أنه ذكر في هذا التنزل أمورا يحتاج صاحب الرؤية إلى استعمالها ونحن نفسر ما يتيسر منها . أما قوله : الجهل إلى قوله : أنه لا يبقى من العلم ، فتفسيره أن صاحب الرؤية يرى الجهل الحقيقي وقد ذكره في مواضع عدة ومعناه أنه لا يشهد مع الحق تعالى سواه ، فكأنه جهل ما سواه ، وهذا هو الحجاب الأدنى للرب إذا جاء أي تجلى لذاته بذاته ، وعبر عن هذه الحضرة بالليل لأنها حضرة سكون ، وأما النهار فهو العلم لأنه ينسب إلى الحركة ، ومجيء الرب إلى عرشه ، فإذن هو يأمره أن يكون في الليل طوع الشهود الوحداني ولا يلتفت فيه إلى العلم ولا إلى ما يدعو إليه العلم ، وقد أكد عليه في ذلك بقوله : فغط عينيك إلى آخره ، ثم قال له : فأنت عندي ، وآية عنديتي أن تحتجب أنت بالجهل كما احتجبت أنا به ، وأما إذا جاء النهار فقد جاءت أحكام الخلق وهي بلاء ، فلا تظهر منك إذ ذاك إلا ما يقتضيه علم الشريعة ، وإلا أخذك البلاء أي أقيم عليك الحد ، وبمقتضى العلم . وبقي علينا أن نبين ما معنى قوله : « إنه لا يبق من العلم إلا أنه مجهول ما هو لا مجهول هو أنه » ، وتفسير ذلك أن هوية العلم مجهولة في شهود الوحدانية ، وأما أنه موضوع للتكليف فليس بمجهول وأكثر من هذا لا ينبغي .
قوله : ( وقال لي : احتجب عن العلم بالجهل وإلا لم ترني ولم تر مجلسي ، واحتجب عن البلاء بالعلم وإلا لم تر نوري ورتبتي ) .
قلت : نوره ورتبته العلم والعمل .
قوله : ( وقال لي : انظر إلى كل شيء يراه قلبك وتراه عينك كيف قلت له كن فكان ، ثم انظر إلى الجهل الذي مددته بيني وبينه ولو لم أجعله بيني وبينه ما ثبت لنوري ) .
قلت : أشهده كيف قال للأشياء كوني فكانت ، وذلك أنه أراه أنها ظهورات لا مظهرات ، وبذلك يتأتى له أن يرى الجهل الممدود بينه وبينه ، وذلك أنها إذا كانت ظهورات كان اللّه ولا سواه ، فيتعين الجهل الحقيقي وهو فقد ما سواه في الشهود
شرح مواقف النفري — صفحة 365
مساهمون: عاصم ابراهيم الكيالى الحسينى الشاذلى الدرقاوى
ص٣٦٥