وأما قوله وما رأيت من كيف ورد الليل والنهار فإن الكيف معلوم ، وقد أدركه أهل الحجاب لكن يخص هذا الولي من شهود القيومية التي قام بها ذلك المذكور ، وهذا أمر لأهل الحجاب فيه دعوى فضلا عن إدراك الدليل على معنوية القيومية وكونها هي المرادة في هذا التنزل . قوله : « وإنني أرسل هذا رسولا من حضرتي وأرسل هذا رسولا من حضرتي » فنسبهما إلى حضرته وهي حضرة القيومية المذكورة ، وإلا فإرسال الليل هو إرسال عدمي لأنه عدم الضوء ، فكيف يكون الإرسال العدمي منسوبا إلى حضرته هذا باطل ، وإنما يصح باعتبار القيومية التي بها قامت الوجوديات والثبوتيات ، وأعني بالثبوتيات الأمور التي عدمها بالإضافة إلى وجود ضدها لا أنها عدم صرف ، وهذا مجال رحب لمن يسرح فيه سوام إدراكه .
وأما قوله : وكيف مددت الأبد . فنقول إن شرح حقيقة الأبد هي مقدمة على شرح قوله : كيف مددت ، فأما الأبد فهو طرف الدهر من جهة ما يظن أنه مستقبل ، وذلك ضد الأزل إذ هو طرف الدهر من حيث ما يظن أنه ماض ، وقولي ماض ومستقبل هو حيلة على التفهيم فإن ليس في الدهر المضي والاستقبال ، وكذلك قولي طرف الأبد ، وطرف الأزل فإن ما لا يتناهى لا يقال له إن له طرفا البتة ، وأما إشهاده إياه كيف مد الأبد ففيه حقيقتان أحدهما شهودية والأخرى عقلية بالنسبة إلى العقول المنورة لا إلى كل العقول . فأما الحقيقة الشهودية فهي أن تشهد حقيقة بقاء الحق تعالى لا إلى نهاية ، ويرى ذلك ثابتا له من حيث يثبت ذاته ، وذاته تعالى تثبت وجوبا فدوامها إذن يثبت وجوبا ، فيرى هذا رؤية لشهود الوجود ، والوجود لا ينقلب عدما فلا يقف بقاؤه عند حد ، واعلم أن العبارة هنا لا تفي بما يجده الشاهد ومتى عبر غلط غلطا لا يمكنه الاحتراز منه ، وأما الحقيقة العقلية فإن العقل يرى أن الباقي يلزم لزوما واجب الدوام فإن كان بقاؤه لا ينفد بعين الأبد وهو كذلك فهو كذلك ، وأما أهل مسمى الأبد له ذات في الخارج أم في الاعتبار فقط الحق الثاني ولذلك قال ولا عبارة في الأبد ، أي ليس له اسم في الحقيقة لعدم مسماه في الخارج ، وإنما حصل له نصيب من التسمية بطريق الوجود الذهني ، وهذا القبيل كثير بل هو من جملة العالم لأنه أمور اعتبارية وأن الظاهر هو الحق ، وأهل الحجاب يظنون أن الظاهر هو الخلق ، وهم معذورون .
شرح مواقف النفري — صفحة 359
مساهمون: عاصم ابراهيم الكيالى الحسينى الشاذلى الدرقاوى
ص٣٥٩