تخطي إلى المحتوى الرئيسي

شرح مواقف النفري — صفحة 355

مساهمون:

ص٣٥٥
يتعرف إليه به من جهة أن ليس هو هو إلا هو فإذن هو عين كل هوية فكل شيء إذن آية . وأما قوله : « وآيتي في كل شيء » فالمراد أن توابع الأشياء في كونها آية هي أيضا آيات أي علامات ، فإن مجرى الأشياء ومجرى توابع الأشياء في القلب متشابه بل متساو . وأما قوله : « فهي تارة تطلع وتارة تحتجب » فالمراد به أن كون الأشياء آيات ، وكون توابع الأشياء آيات هو مما لا يدوم شهوده ، بل قد يحتجب . وأما قوله : « لأن الأشياء سيارة وآياتها سيارة » فهو معنى لا يراه إلا أهل الشهود وهو الخلق الجديد الذي ورد ذكره في الآية وهي قوله تعالى :
بَلْ هُمْ فِي لَبْسٍ مِنْ خَلْقٍ جَدِيدٍ
[ ق : الآية 15 ] وذلك أن العالم مجموع أعراض وجوهرها الحامل لها هو عند أهل الشهود مشهوده ، والأعراض لا تستقر زمانين كما ذكر في الأصول ، ووقع لي في ذلك واقعة وهي أن بعض أهل الشهود حضر من مكة شرفها اللّه تعالى فنزل في القرافة يقال له الشيخ أبو بكر المستوفي كان هو ووالديه وأخوه وجماعة من أهله من الملثمة وهم طائفة في قبلة المغرب رجالهم يتلثمون ويتنقبون ، ونساؤهم لا يتنقبن ولا يتلثمن فأقام بالقرافة بعد مجاورته للنبي صلى اللّه عليه وسلم خمس عشرة سنة وكان معه تبر حضر صحبته من بلاده فكانوا يقتاتون منه فحضرت إليه ومعي بعض أصحابي فكنت آخذ معه في أنواع من المنازلات فرأى أصحابه يستمعون ما نقول فأشار إليّ بالسكوت ، وكان من جملة ما سألته عنه هذه المسألة فقلت : إنني أرى هذه الجبال سيارة غير مستقرة بل الأجسام كلها فقال : نعم ، فلما فارقته قال لي صاحبي الذي كان معي إنني قد عدت إلى الشيخ أبو بكر فزرته فسألني عنك فقلت له : إنه بالقاهرة فقال واللّه ما سلكت ذلك اليوم في حضرة الحق سبيلا إلا وجدته بين يدي وكان صاحبي هذا المذكور إنما يصحبني بطريق الدنيا فحصل له فيّ من الاعتقاد ، أنه فارق كل شيء وصحبني رحمه اللّه . واعلم أن ما هو متحلل دائما ويخلفه هو مختلف بلا شك وهو عرض والحامل له غير مختلف فالاستدلال لا يكون بالمختلف على ما ليس بمختلف .