وأوقفني وأبدى الباديات وخاطبني على ألسن الباديات وخاطب الباديات لي على لساني فأبدى القلم ، وقال لي : جاءك القلم ، فقال كتبت العلم وسطّرت السر فاسمع لي فلن تجاوزني وسلّم لي فلن تدركني ) .
قلت : يعني : أريد أن أبدي لك خلقي وإلا فالخلق باد قبله ، وأريد أن أظهر لك ما أشاء فيه وإلا فهو ظاهر قبله ، وقوله : أن لا تخرج من مقامي ، معناه لا تسمع من غيري ، فإن مقامك سوف يظهر لك بالتوحيد فيدعو إلى نفسه ، ولا تقبل منه ، وإن دعاك بآية التوحيد الشاهدة أن الداعي هو الحق لا غيره ، ثم إنه في خطابه له على ألسن الباديات ، وخطاب الباديات على لسانه إنما هو انكشف له ذلك كشفا .
قوله : ( وقال لي : جاءك القلم ، فقال كتبت العلم وسطرت السر فاسمع لي فلن تجاوزني وسلم لي فلن تدركني ) .
قلت : واعلم أن القلم الأعلى هو أشرف من الإنسان ، والإنسان أكمل منه ؛ وذلك أن القلم فصل ما ضمنه فكان ذلك التفصيل هو الإنسان ، فالإنسان هو القلم بوجه أجمل ، والقلم هو الإنسان بوجه أكمل ، ولست أعني بالإنسان صورة معينة إلا أن يكون محمدا صلى اللّه عليه وسلّم ، ولما كان الإنسان حقيقة ما في القلم لم يؤمر بالدخول تحت مرتبته ، فإن القلم حقيقة الأشياء كلها لكن بالقوة ، والإنسان حقيقة الأشياء كلها لكن بالفعل ، ولذلك قال رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم : « علمت علم الأولين والآخرين » « 1 » .
قوله : ( وقال لي : قل للقلم عني : يا قلم أبداني من أبداك وأجراني من أجراك وقد أخذ علي العهد للاستماع منه لا منك وميثاق التسليم له لا لك ، فإن سمعت منك ظفرت بالحجاب وإن سلمت لك ظفرت بالعجز ، فأنا منه أسمع كما أشهدني لا منك وله أسلم كما أوقفني لا لك فإن أسمعني من جهتك كنت لي سمعا لا مستمعا ، وإن أسمعني من جهتي كنت لي سمعا لا مستمعا ) .
قلت : ما في هذا الكلام صعب إلا قوله : « فإن أسمعني من جهتك ، كنت لي سمعا لا مستمعا » ، وذلك لأن الإنسان هو القلم بالفعل كما كان القلم إنسانا
هامش
( 1 ) هذا الأثر سبقت الإشارة إليه .