متن :
الرابع ( من وجوه تقرير الاجماع )
استقرار طريقة العقلاء طرّا على الرجوع إلى خبر الثقة فى امورهم العاديّة ، و منها الأوامر الجارية من الموالى الى العبيد . فنقول : إنّ الشارع إن اكتفى بذلك منهم فى الأحكام الشّريعة فهو ، و إلّا وجب عليه ردعهم و تنبيههم على بطلان سلوك هذا الطريق فى الأحكام الشرعيّة ، كما ردع فى مواضع خاصّة ؛ و حيث لم يردع علم منه رضاه بذلك ، لأنّ اللازم فى باب الإطاعة و المعصية الأخذ بما يعد طاعة فى العرف و ترك ما يعدّ معصية كذلك . فإن قلت : يكفى فى ردعهم الآيات المتكاثرة و الأخبار المتظافرة بل المتواترة على حرمة العمل بما عدا العلم . « 1 » قلت : قد عرفت انحصار دليل حرمة العمل بما عدا العلم فى أمرين و أنّ الآيات و الأخبار راجعة إلى أحدهما : الأوّل أنّ العمل بالظّنّ و التعبّد به من دون توقيف من الشّارع تشريع محرّم بالأدلة الأربعة . و الثانى أنّ فيه طرحا لأدلّة الاصول العمليّة و اللفظيّة الّتى اعتبرها الشارع عند عدم العلم بخلافها . و شىء من هذين الوجهين لا يوجب ردعهم عن العمل ، لكون حرمة العمل بالظنّ من أجلهما مركوزا فى ذهن العقلاء ، لأنّ حرمة التشريع ثابت عندهم ، و لاصول العمليّة و اللفظيّة معتبرة عندهم مع عدم الدليل على الخلاف ، و مع ذلك نجد بناءهم على العمل بالخبر الموجب للاطمينان .
و السرّ فى ذلك عدم جريان الوجهين المذكورين بعد استقرار سيرة العقلاء على العمل بالخبر ، لانتفاء التشريع « 2 » مع بناءهم على سلوكه فى مقام الإطاعة و المعصية ، فإنّ الملتزم بفعل ما أخبر الثقة بوجوبه و ترك ما أخبر بحرمته لا يعدّ مشرّعا ، بل لا يشكّون فى كونه مطيعا ، و لذا يعوّلون عليه « 3 » فى أوامر هم العرفيّة من الموالى إلى العبيد ، مع أنّ قبح التشريع عند العقلاء لا يختصّ بالأحكام الشرعيّة . و اما الاصول المقابلة للخبر فلا دليل على جريانها فى مقابل خبر الثقة ، لأنّ الاصول الّتى مدركها حكم العقل - لا الأخبار لقصورها عن إفادة اعتبارها - كالبراءة و الاحتياط و التخيير لا إشكال فى عدم جريانها فى مقابل خبر الثقة بعد الاعتراف ببناء العقلاء على العمل به فى أحكامهم العرفيّة ، لأنّ نسبة العقل فى حكمه بالعمل بالاصول المذكورة إلى الأحكام الشرعيّة و العرفيّة سواء . و اما لاستصحاب ، فان اخذ من العقل فلا اشكال فى انّه لا يفيد الظنّ ، و ان اخذ من الأخبار فغاية الأمر حصول الوثوق بصدورها دون اليقين . و اما الاصول اللفظيّة ، كالاطلاق و العموم ، فليس بناء اهل اللسان على اعتبارها حتّى فى مقام وجود الخبر الموثق به فى مقابلها .
هامش
( 1 ) - مرّ تخريجه فى صفحات القبل .
( 2 ) - فى بعض النسخ : لانتفاء تحقّق التّشريع .
( 3 ) - فى بعض النسخ : يعملون به .