والرّهبانية والانقطاع عن الدنيا وأمثال ذلك ، هذه جميعا موروث الأنبياء وإرشادهم ، وإنّه من دون إرشادهم لن يكون معلوما لدى أيّ شخص معرفة اللّه والسّير والطريق إلى اللّه تعالى ، لأنّ ذلك موروثهم . وأنتم قد أدرتم إليهم ظهوركم برغم أنكم قد حصلتم على هذه النعمة منهم . فقالوا : نحن نقرّ بالأنبياء المتقدّمين ونشكرهم . فقال :
لأنّهم نفس واحدة ، يكون تكذيب أحدهم تكذيبا للجميع . مثلما أنّ غسل الأعضاء في الوضوء شيء واحد من جهة الفائدة ؛ فإن لم تغسل أحد الأعضاء فلن يفيدك غسل الأعضاء الأخر . ولأنّ الأنبياء يقرّ كلّ منهم بالآخر ويشهد كلّ منهم على نبوّة الآخر الصحيحة ، فإنّك إن كذّبت بأحدهم كذّبت بالجميع . ويمكن القول حقا إنّ ذلك نور واحد أشرق من كوّة كلّ منزل من منازل أجسام الأنبياء من [ 149 ] شمس واحدة .
فإذا صرت ضدّ واحد من تلك الأنوار التي تكون في هذا المنزل المعيّن ومنكرا له ، ثبتت الخفّاشيّة لك ، تغدو منكرا للجميع . ونظير هذا أنّه إن قال خفّاش : أنا مقرّ بشمس البارحة ، لست ضدّا لها ، برغم أنّني ضدّ لشمس هذا اليوم ، قيل له : هذه البارحة واليوم أو القديم والجديد ليسا اثنين ، ولكنّ البارحة بعيدة عن امتحانك .
وكذلك مثلما تقول حيّة التراب : إنّني سمكة ذلك الماء الذي كان يجري في النهر السنة الماضية ، لا أسبح في هذا الماء . فيقال لها : هذا الماء هو نفسه ؛ أمّا ذلك الماء الذي هو غير هذا في زعمك ، فليس هو الممتحن في زمانك . ولا يتمّ بيانه
وَلَوْ جِئْنا بِمِثْلِهِ مَدَداً
[ الكهف : 109 ] . جعل اللّه روحه الطّاهر دائما مستسقي ماء حياة
يُفَجِّرُونَها تَفْجِيراً
[ الإنسان : 6 ] . آمين يا ربّ العالمين .