الآلاف من كتب الفقه في الإرشاد إلى كيفيّة المحافظة على أركان سيرة الظّاهر ، وهي حتى الآن لا تكفي . وتقع حوادث في الظاهر لم يذكر لها علاج ولا حلّ وهي لا توجد في تلك الكتب الكثيرة . وعندما تختصر وقائع الظّاهر الجسمانيّ في نطاق لا يتسع النطاق للموضوعات وينقطع من كثرة أحوال الظاهر لأنّها مدد فوق مدد ، فكيف يمكن شرح المحافظة على أركان الباطن وأحوال الباطن - الذي لا يمكن قياسه على الظّاهر الحقير - في ثلاثة أسطر ؟ !
وقد كتبت أحوال الظّاهر في ثلاثة أسطر ليس لأيّ منها نهاية واضحة : سطر هو أحوال [ 124 ] الماضي ، وسطر هو أحوال الحاضر ، وسطر هو أحوال المستقبل ؛ برغم أنّك كلّما قرأت سطرا لم تصل إلى نهايته . وهذه الأسطر الثلاثة كتبت على لوح العقل الجزئيّ ، وهي على لوح العقل الكلّي تامّة ومشروحة . أمّا أحوال الباطن التي هي خارجة عن هذه الأسطر الثلاثة ، فيا للعجب كيف يطمع بأن تختصر في ثلاثة أسطر ولها من الاثنين والثلاثة نبوة عظيمة ونفور كبير ؟
وهكذا يفرغ المخدوم - لا زال مخدوما ، إن شاء اللّه - من الاثنين والثلاثة ، لكي يحظى بالأحوال المتواترة التي تتجدّد في عالم الباطن وفي كلّ لحظة تكون جديدة وطارئة ، ويقطع وهمه عن التحديد والتقدير والنهاية والغاية وذلك كلّه . وعندما عنّ للدّاعي هذا المعنى لم أستطع عرض التماسه ثلاثة الأسطر التي ذكرها ؛ وإنّ تمام ما يلحظ ، في المعنى الذي ذكر قبل ، لا يستوعب في هذه الرّسالة ، ولا بدّ لذلك من المشافهة والكلام المباشر .
ونظرا إلى اندفاع ذلك المخدوم وصدق طلبه وعشقه للكمال وتوقانه - إذ إنّ
رسائل مولانا ( معرب عاكوب ) — صفحة 204
مساهمون: جلال الدين الرومي
ص٢٠٤