وما بينهما والشمس والقمر . كل هذه الموجودات ظل للعقل الكلى ، فظل العقل الجزئي موافق لظل صاحبه ، وظل العقل الكلى - التي هي الموجودات - مناسب لظل صاحبه .
إن أولياء الحق شاهدوا سماوات أخرى غير هذه السماوات لأن هذه السماوات تظهر عندهم حقيرة ، وضعوا رجلهم عليهم ومضوا وتجاوزوها إلى : سماوات في ولاية الروح ، في يدها قياد سماء الدنيا .
وما العجب في أن وصل أحد من الناس فوق زحل ، ألم نكن جميعا من ذاك التراب الذي نفخ فيه سبحانه عز وجل قوة وصلتنا إلى هذه القوة وأصبحنا متصرفين بها ، وأصبح كذلك تحت سيطرتنا أن نتصرف فيه كيفما نشاء ، تارة نرفعه وأخرى نهبطه ، وتارة أخرى نبنى به قصورا ، أو نصنع منه أبريقا أو كوبا وتارة ثالثة نمدّه أو نقصره .
إذا كنا نحن في البداية من ذاك التراب ثم فضلنا الله - سبحانه وتعالى - بتلك القوة ، فما العجب إذن أن فضل الله بعضنا على بعض ، فنحن بالنسبة إليه كالجماد ، ويتصرف فينا ونحن غير مطلعين عليه ، أما هو مطّلع علينا .
وعندما أقول " غير مطلعين " لا أعنى غير مطلعين تماما ، بل إن كل اطلاع على شئ هو عدم اطلاع على شئ آخر ، فذاك التراب الجامد عالم بما أعطاه الله سبحانه ، إن لم يكن يعلم فكيف يتقبل الماء وها هي الحبة يرضعهما ويربيهما . إذا كان الشخص مجدّا وملازما لأمر ما فإن انتباهه إلى ذلك العمل يعنى أنه غير مطلع على غيره .
فيه ما فيه — صفحة 295
مساهمون: جلال الدين الرومي
ص٢٩٥