تخطي إلى المحتوى الرئيسي

المثنوي المعنوي ( معرب الكفافي ) — صفحة 47

مساهمون:

ص٤٧
إننا نلقى في المثنوي شاعراً سبحت روح في آفاق الجمال ، سواء منه ما يُرى ومالا يُرى ، ومع ذلك نراه واعياً لكل ما يدور حوله في هذه الحياة خبيراً بدروبها ومسالكها ، لا يكاد يخفى عليه شي من معارف أهل زمانه . ولقد ظفر المثنوي منذ بداية ظهوره بما هو جدير به من العناية . لقد كان يصادف آذاناً صاغية حين يهتف به صاحبه ، أو من يرويه عنه . وكلام ابن بطوطة - الذي سبق أن نقلناه - ينبئ بشيء من ذلك ، ويبّين كيف أن المريدن كانوا يتبعون الشاعر ويكتبون ما يهتف به من الشعر ، وكيف أنهم صنعوا من ذلك الشعر كتاباً سمّوه « المثنوي » وأن المثنويّ كان موضع الاعتباربين سكان « تلك البلاد » ، وكيف أنهم كانوا يقرأونه في أيام الجمعات . وكذلك تضمنت الأوقاف التي أوقفت على ضريح الشاعر ما ينصّ على الانفاق منها على قراء المثنوي . فالشاعر قد امتدّ أثره إلى مجتمعه إبّان حياته ، وتعاظم هذا الأثر بعد وفاته . وهذا يفسّر لنا تلك البساطة التي اتسمت بها لغة المثنوى - في أكثر الأحيان - تلك البساطة التي تخاطب القلب وتنفذ إلى أعماق الضمير . والشاعر يشير في مقدّمته المنثورة إلى إدراكه لأثر المثنوي على مستمعيه سواء منهم من تلقّاه بالمحّبة والقبول ، أو من وقف منه موقف الرفض والعناد حين قال : « الأبرار فيه يأكلون ويشربون ، والأحرار منه يفرحون ويطربون ، وهو كنيل مصر ، شرابُ للصابرين ، وحسرةُ على آل فرعون والكافرين « 1 » » . كما نشير إلى خاصة أخرى لا تخفى على من قرأ المثنوي وتذوّق معانيه ، هي ذلك التفاؤل الذي يغمر أجواءه ، ويشيع
هامش
( 1 ) انظر مقدمة المؤلف .