والمثالية هي اللهجة الغالبة على هذه الملحمة الإنسانية ، وهي المقياس والحكم الفيصل في كل المواقف . فالصوفيّة هم الملوك . وجوهرهم النقيّ هو مقياس ذلك . وتجردهم من علائق المادة وطغيان الأهواء هو الذي أهلّهم لذلك . ولا بد في هذا من الصدق والإخلاص ، ولا اعتبار للمظهر . وكم بالمثنوي من صرخة في وجه الظالمين ، قد تجىء في صورة الإنذار الواضح ، وقد تجىء في صورة من السخرية اللاذعة ، التي لا تقلّ في تأثيرها عن أسلوب القوّة والانذار . وكم فيه من فضيلة أُبدع تصويرها . وكم فيه من كشف عن الرذائل الكامنة في النفس ، بأسلوب الخبير بالنفس الانسانيّة المطلع على كوامن أسرارها ، ومستتر خلجاتها .
أما الشخصيّات التي يستعين بها في تصوير كل هذه الأفكار ، فمنها الملوك والسلاطين ، ومنها الخلفاء ، ومنها الدروايش والشحاذون ، ومنها الأنبياء والأولياء ، ومنها الكفرة والعصاة والمجرمون ، ومنها التجار الأمناء ، ومنها المحتالون ، والمدلّسون . يكاد القارئ يقابل فيه كل أُنموذج من النماذج البشريّة ، ويشهد الانسانَ في مثاليّة أو في تهاويه وانهياره ، وقد صوّرته يد فنّان أصيل . وكل مشهد وقعت عليه عينه ، جعل منه مصدراً لوحي الشعر ، وموضوعاً لإبداعه . نقابل في المثنويّ النبيّ بين قومه ، والمليك بين رعاياه ، والقاضي ، واللص ، والمحتال ، والغنيّ ، والمتسوّل ؛ نرى ساكن القصر في بذخه ، والبؤساء في شقائهم . نرى شوارع المدن وما كانت تعجّ به من ضروب السعي في طلب الرزق سواء منه ما كان شريفاً أو غير شريف .
نرى الحكيم والأبله ، والمتعفّ والنهم . والخلاصة أننا نشهد في المثنوي مجتمعاً حيّاً ، أفراده موزعون بين الفضيلة والرذيلة ، والكمال والنقص ، والمثالية المترفعة ، والواقع المظلم المرير .
المثنوي المعنوي ( معرب الكفافي ) — صفحة 46
مساهمون: جلال الدين الرومي
ص٤٦