صورته ، فلماذا هذا التضاد في ذات الفرد الواحد ، ذلك التضاد الذي يتمثل في صراع النفس والعقل ، أو الجسم والروح ؟ ولماذا هذا التضاد بين أفراد النوع البشري ؟
إن الشاعر يجيب عن ذلك بقوله إن هذا التضاد نشأ لأن للكل أجزاء متنوعة . وليس قوله « إن للكل أجزاء متنوعة » يعني أن الخالق يقبل التجزئة وإنما الأجزاء هنا تعبير عن الصفات المختلفة ، والتجليات المتنوعة . فهذه التجليات المتنوعة ليست متصلة به اتصال الجزء بالكل . فهي ليست مثل عبير الوردة الذي هو جزء من الوردة ، ولا مثل شد والقمري الذي هو جزء من القمري . إن صفات الخالق قد يضاد بعضها بعضاً ، كالرحمة والرضى ، والسخط والغضب .
فصفات اللَّه وأسماؤه يختلف بعضها عن البعض الآخر . وهكذا مظاهر تجلياته .
ومع أن كل شيء قد صدر عنه ومآله في النهاية إليه ، إلا أن هذا لا ينفي أن يقع التنوع بين الأشياء ، المؤدي إلى تضادها .
ومما يساعد على هذا الفهم نظرية ابن عربي في صفات اللَّه وأسمائه ، ويرى أن كل اسم من الأسماء ، وكل صفة من الصفات له مدلوله الخاص القائم بذاته . يقول :
« فهذه مفاضلة في الصفات الإلهية ، وكمال تعلق الإرادة وفضلها وزيادتها على تعلق القدرة . وكذلك السمع والبصر الإلهي . وجميع الأسماء الإلهية على درجات في تفاضل بعضها على بعض » . ( فصوص الحكم ، ج 1 ، ص 153 ) .
( 2908 ) فإن غمضت عليك الحقيقة ، وأحسست بالحرج ، فاصبر فلعل اللَّه يكشف لك السر الذي غمض عليك .
( 2909 ) إن الأفكار تصطرع في القلوب ، ويفترس بعضها بعضا ، فهي تلعب دور الأسد وحمار الوحش . وأما القلوب فهي شبيهة بالآجام .
( 2911 ) وما دامت هذه الأفكار والوساوس مصدر قلق لك ، فأقلع عنها واصرفها من قلبك . وليكن لك احتماء منها كاحتماء المريض من الطعام .
( 2912 ) « فليكن قلبك مستعماً إليَّ كأنه أذن ، حتى أُلقي إليك بحكمة روحية غالية كريمة الجوهر » .
المثنوي المعنوي ( معرب الكفافي ) — صفحة 563
مساهمون: جلال الدين الرومي
ص٥٦٣