الأمر الإلهي الصريح ، الذي نهى به اللَّه آدم عن أكل ثمار الشجرة المحرمة .
فهذا النهي سر إلهي وقد كان صريحاً ، ولا سبيل لتأويله . فالتساؤل الذي وسوس به الشيطان لآدم ، كان سبب الخطيئة . فسقطة آدم كانت نتيجة للنظر العقلي إزاء نص صريح . وقد أصبحت هذه رمزاً لكل نظر عقلي ، بني على معارف الحس ، وأنكر الوحي والإلهام ، فناقش صريح الأمر ، والتمس في نقاشه العلل والأسباب ، وهذه تعجز عن إدراك الخفايا والأسرار الكامنة وراء صريح الأمر . ولهذ عبر الشاعر عنها بأنها أصبحت خطاماً على فم البشر يعوقهم عن ارتشاف لبان علم الدين .
واستخدم العجل رمزاً لآدم ، وقصد بذلك أنه كان حديث الميلاد ، ساذج القلب بالقياس إلى إبليس الذي ظل آلاف السنين ملكاً من كبار الملائكة ، ثم ضل في النهاية ، نتيجة لتأويله صريح الأمر الإلهي بالسجود لآدم . وها هوذا قد وسوس لآدم بما جعله يسلك ذات السبيل إزاء الشجرة المحرمة . ويجب ألا ننسى هنا أن الصوفية يعدون النظر العقلي عاجزاً عن إبصال البشرية إلى العلم اليقيني . فسقطة آدم رمز لتمسك البشرية واعتدادها بالنظر العقلي وحده ، وإنكارها الروح وما يوحى إليها .
( 1016 ) هذه العلوم العقلية البحتة ، صرفت الناس عن الإيمان بالعلم الروحي ، ذلك العلم الذي يكشفه اللَّه لمحبيه . فأصبحت هذه العلوم الحسية خطاماً وقيداً ، يعوقهم عن الانطلاق في ميادين المعرفة الروحية .
( 1017 ) هذه الجوهرة هي مركز الإيمان في القلب الإنساني ، يشع منها ، فيغمر الكيان الإنساني ، ويجعل الإنسان وهو في هيكله المادي مرتبطاً بعالم الروح .
( 1018 ) الصورة رمز للمادة ولكل ما هو حسي . وعابد الصورة هو الذي يعتد بالمادة اعتداداً كلياً ، ويكاد لا يرى للروح شأناً بالقياس إليها . وقد يبلغ بالإنسان اعتداده بالمادة أن يدعها تطغى على روحه وتكبلها بالقيود .
المثنوي المعنوي ( معرب الكفافي ) — صفحة 491
مساهمون: جلال الدين الرومي
ص٤٩١