يطرق موضوعاً من الموضوعاً حتى يعالجه في حوار يبيِّن به وجهات النظر المختلفة ، وينتهي منه إلى الرأي الذي يريد بيانه . وقد بلغت مقدرته في الحوار مستوى رائعاً . وإني أعتقد أنّ الكثير من محاوراته في المثنوي يرقى إلى مستويات الأدب التمثيلي . والحوار الذي ذكرته الآن يقدم لنا مثالًا للحوار الفلسفيّ الذي حفل به المثنوي . وهناك ألوان من الحوار ذات طابع واقعيّ ، نجد الشاعر فيها يُجري الحوار على مستوى المتناظرين ، فيكتب على لسانهم ما يلائم عقولهم ، وبهذا يقترب الحوار - إلى حد بعيد - من الواقعية التي تزيده قوة وتأثيراً .
ويمكننا أن نقتبس بعض الأبيات من حوار جرى في إحدى المشاجرات بين رجل فقير وزوجته الجاهلة ، تلوم المرأة زوجها على فقره فيقول لها :
« إن الزوجين يجب أن يكون كل منهما على مثال الآخر . ألا فلتتأملي زوجين من الأحذية أو النعال ! فلو أنّ واحداً من النعلين ضاق بقدمك ، فلا نفع لهذين النعليْن عندك .
وهل بين مصراعي الباب واحد صغير وآخر كبير ؟ أم هل رأيت ذئبة اقترنت بأسد الغاب ؟
وليس يستقيم على ظهر البعير زوجان من الحقائب ، إحداهما صغيرة والأخرى كاملة الإتسّاع .
إنني أسير بقلب قويّ نحو القناعة ، فما لك أنت تسيرين نحو الشناعة ؟ » « 1 » فنحن نرى في هذا الحديث كيف أن الشاعر قد جعله على المستوى
هامش
( 1 ) المثنوي ، ج 1 ، 2309 - 2313 .