تخطي إلى المحتوى الرئيسي

المثنوي المعنوي ( معرب الكفافي ) — صفحة 21

مساهمون:

ص٢١
المعروفة تناولها الرومي بطريقته فخلق منها عملًا فنياً ضخماً . تلك هي قصة « الأرنب التي صرعت الأسد » . وقد وردت هذه القصة في كليلة ودمنة « 1 » واستغرقت روايتها بضعة أسطر ، وخلاصتها أن أسداً كان يعيش بالقرب من أحد المروج ذات الماء والعشب الكثير ، وأن ذلك المرج كان مرتعاً لكثير من الوحوش ، تعيش فيه مستمتعة بمائه وعشبه ، ولكن الأسد كان يفسد عليها عيشها بمهاجمتها لاقتناص غذائه . وقد رأت هذه الوحوش أن تخلص من شرِّ الأسد بأن تقدم له كل يوم دابة يأكلها ، على أن يسكن الأسد عن مهاجمتها . وكانت هذه الدابّة التي تُرسل إلى الأسد تُختار بطريق الإقتراع . وذات يوم وقعت القرعة على أرنب ليذهب إلى الأسد ، فلم يرد الذهاب ، وأخذ يعمل الحيلة للقضاء على الأسد ، فتأخر عن الموعد الذي اعتاد الأسد أن يتلقى فيه فريسته ، ثم ذهب إلى الأسد بعد ذلك ، وأخبره بأنه تأخر لأن أسداً آخر اعترض طريقه ، وأخذ منه غذاء الملك ، وكان أرنباً آخر سميناً أرسله إليه الوحوش ، ودعا الأسد إلى أن يطهِّر الطريق من ذلك الأسد الدخيل حتى يصله طعامه دون تأخر . فطلب الأسد من الأرنب أن يدّله على مكان ذلك العدوّ ، فأخذه الأرنب إلى بئر تَطلّع فيها فرأى خياله فظنه عدوَّه ، فوثب إليه ليقاتلة فغرق في البئر وخلصت الوحوش من شرّه . لقد أخذ الرومي هذه القصة القصيرة ، فجعلها محوراً لألوان رائعة من الحوار ، وهيكلًا أدار حوله مناقشات ممتعة عن السعي والتوكل ، والقضاء والقدر ، وغير ذلك من المسائل . ويمكننا أن نذكر الآن - على سبيل المثال - بعض جوانب هذه القصة كما صوّرها الرومي . ولنبدأ بذكر الحوار الذي دار بين الوحوش وبين الأسد حين ذهبت إليه تطلب منه الأمان لقاء الحصول على رزق يومي يُرسل إليه .
هامش
( 1 ) كليلة ودمنة » ، ص 116 ، 117 ، المطبعة الأميرية ، القاهرة ، 1931 .