الحكمة منها ، ويتوسّع في بيان مدلولاتها . وهو في كل ذلك شاعر أصيل ، نلمس عنده الإحساس الصادق ، والعاطفة الجيَّاشة ، والعقل المعلّم ، والنفس الصافية التي تستطيع أن تبثّ الصفاء في نفوس الآخرين وتشيع فيها البهجة ، وتصحبها معها في رفق وأناة في دروب من التأمّل العميق ، وآفاق من الفكر الرفيع ، تعينها على تحقيق حياة أسمى ، والطموح إلى غايات أعلى من تلك الغايات المادّية التي يعنو لها البشر في هذه الحياة .
ولكنّ طريقة الشاعر في معالجة هذه الموضوعات قد خلت من الترتيب الدقيق ، فهو ينتقل من موضوع إلى موضوع ، ومن مقصد إلى مقصد ، دون منهج محدّد يتبعه في ذلك الإنتقال . ومع ذلك فقد عكف باحث ألماني يدعى جوستاف ريشتر
Gustav Richter
على المثنوي ، واستطاع أن يبين أنّ كلّ جزء من أجزائه يمثل وحدة فنية متكاملة ، وأنّ ما يبدو فيه من انطلاق على غير نظام موضوعيّ محدّد ليس هو الواقع ، وإنما هناك ارتباط فنيّ دقيق في التنقل من موضوع إلى آخر .
وقد ذهب إلى ذلك أيضاً الأستاذ نيكولسون الذي عكف على ترجمة المثنويّ ودراسته خمسة وعشرين عاماً « 1 » .
ومهما يكن الأمر فإن هذا التنقل بين الموضوعات لا يعني أن الشاعر لا يعالج الموضوع الواحد بصورة فنيّة مترابطة . فنحن نستطيع أن نستخرج من المثنوي موضوعات كثيرة تناولها الشاعر تناولًا فنيّاً بارعاً ، واستطاع أن يقدمها لنا في هيكل فنيّ متكامل العناصر ، مترابط الأجزاء ، تجمعه وحدة فنيّة أكيدة .
هامش
( 1 ) .Arberry : cIassical persian literature , p . 236