أما الأثر الثالث فهو المثنوي : وكلمة المثنوي تعني ذلك النظم الذي يُعرف بالمزدوج في العربيّة ، وهو يعتمد في التقفية على توحيد القافية بين شطري كل بيت من أبيات المنظومة . فكل بيت من الأبيات تكون له قافيته المستقلّة ، وبهذا تتحرّر المنظومة من القافية الموحّدة التي طالما عاقت شعراء العرب عن نظم المطوّلات . فهذا التعدّد في القوافي هو الذي مكَّن شعراء الفرس من نظم الملاحم المطوّلة على الأوزان العربية ، والانطلاق بها إلى أبعد مدى أرادوه . وقد سمّى جلال الدين كتابه هذا « المثنوي » . وينقسم هذا الكتاب إلى ستة مجلدات تضم نحواً من خمسة وعشرين ألف بيت . ولا تتصل تسمية الكتاب بموضوعه وإنما بشكل قوافيه ، فهي تسمية شكلية بحتة .
والإيرانيون يعظمون هذا الكتاب إلى أبعد الحدود . وقد بالغوا في تعظيمه حتى سموّه « قرآن بهلوي » أي قرآن الفارسية . يقول جلال الدين في مقدمته العربية :
« هذا الكتاب المثنوي ؛ وهو أصول أصول أصول الدين ، في كشف أسرار الوصول واليقين ، وهو فقه اللَّه الأكبر ، وشرع اللَّه الأزهر ، وبرهان اللَّه الأظهر ، مثل نوره كمشكاة فيها مصباح ، يشرق إشراقاً أنور من الإصباح . . وهو جنان الجَنان ، » ذو العيون والأغصان . . . .
الأبرار فيه يأكلون ويشربون ، والأحرار فيه يفرحون ويطربون ؛ وهو كنيل مصر شراب للصابرين ، وحسرة على آل فرعون والكافرين . » « 1 » كتاب المثنوي هذا يعد أثراً من الآثار الأدبية الخالدة ، يرتفع فيه
هامش
( 1 ) أنظر المقدمة العربية للمثنوي .