الشعر إلى مستوى عالمي فذّ . وإذا أردنا أن نحدِّد موضوعاً لهذه المنظومة المطوّلة ، وجدنا أنّ ذلك من الأمور العسيرة . إنّ موضوعه الوجود كلّه بصفة عامة ، والإنسان والحياة بصفة خاصّة . وكلّ جزء من الأجزاء الستة لهذه المنظومة يشتمل على نيف وأربعة آلاف بيت .
والمثنوي كله مبنيّ حول مجموعة من القصص ، ولكنّ رواية القصص في هذه المنظومة لا تُقصد لذاتها ، وإنما هي لبيان مقاصد فلسفيّة ، أو لأهداف تعليميّة . فالشاعر يبدأ القصّة فلا يكاد يروي أولى وقائعها حتى يستطرد منها للتحدّث في حكمة هذه الواقعة ، فيذكر الآيات القرآنيّة .
ويفسّرها ، وقد يذكر الأحاديث ، ويظل يبني عليها الآراء والحكم .
ثم يعود بعد ذلك إلى القصّة ليستأنف روايتها ، ويظلّ يعالجها على هذا النحو حتى ينتهي منها . وإذا رجعنا إلى حديث الإحصاءات وجدنا أنّ مؤلِّفاً هنديِّاً يدعى تلمذ حسين يذكر في كتاب ألفه يُدعى « مرآة المثنوي » أنّ الرومي قد عالج في المثنوي 1281 موضوعا .
الكُتَّابُ من أبناء الشرق مولعون بأن ينسبوا إلى جلال الدين أنه عالج في ملحمته هذه جميع المعارف ، وتناول بالبحث كل العلوم .
ولست أُحبّ أن أمضي في تلك السبيل فأخلط بين ثقافة الشاعر التي تنعكس في إنتاجه الفنيّ ، وبين اعتباره صاحب علم يحميع المعارف ، يُقرأ لكي تُلتمس عنده هذه العلوم المختلفة . فالشاعر لو ذكر الكيمياء أو سواها فليس معنى هذا أنّه أراد أن يفيد دارس الكيمياء في هذا العلم ، وإنما هو يستخدم كل ثقافته التي وعاها في خدمة فنّه ، وإرساء أسس تعاليمه العرفانيّة . ولذلك فإني أميل إلى اعتبار المثنوي أثراً فنيّاً قبل كل شيء ، ومصدراً للاطلاع على القيم الإنسانيّة والخلقيّة التي انبثقت من الحضارة الإسلامية . والشاعر يستخدم القصص في إيضاح آرائه - كما ذكرنا - ويفسر الآيات القرآنيّة ، ويذكر الأحاديث النبوّية ، ويقتبس
المثنوي المعنوي ( معرب الكفافي ) — صفحة 13
مساهمون: جلال الدين الرومي
ص١٣