فلو لم يكن فعل الخلق واقعاً ، لما كان لك أنْ تقول لإنسان :
« لماذا فعلت هذا ؟ » .
إنّ خلق الحقّ هو الموجد لأفعالنا ، فأفعالنا إنما هي من آثار خلق اللَّه « 1 » .
فالناطق « 2 » إما أنْ يرى الحرف أو المعنى ، وإلا فكيف يصبح في لحظة واحدة محيطاً بعرضين .
فلو اتجه إلى المعنى غفل عن الحرف . فليست هناك عين ترى ما أمامها وما وراءها في وقت واحد .
1485 فأنت إذا نظرت أمامك ، فأنّى لك أن تبصر مارواءك في الوقت ذاته ؟ فلتعرف هذا ! فإذا كانت الروح لا تحيط علماً بالحرف والمعنى ، فكيف تكون خالقة لكليهما ؟
يا بنيّ ! إنّ الحق هو المحيط بكليهما ، فهو الذي لا يؤخرّه على عن عمل آخر .
لقد قال الشيطان :
« بما أَغْوَيْتَني »
« 3 » ، فهذا الشيطان الدني ، قد أخفى فعله .
هامش
( 1 ) هذا البيت والذي سبقه يعبران عن مذهب أبي الحسن الأشعري في الكسب .
( 2 ) الناطق هو المتكلم . يريد الشاعر بهذا البيت أن ينفي خلق الإنسان لأفعاله .
فالإنسان الذي يكون عاجزاً عن إدراك لفظ ما يتكلم به ومعناه في ذات الوقت كيف يكون قادراً على الإحاطة بكل جوانب العمل الذي يعمله .
( 3 ) إشارة إلى قصة إبليس وطرده من الجنة لعصيانه أمر ربه ، وقد وردت في سورة الأعراف . قال تعالى : « قال ما منعك ألا تسجد إذ أمرتك ، قال أنا خير منه خلقتني من نار وخلقته من طين . قال فاهبط منها فما يكون لك أن تتكبَّر فيها فأخرج إنك من الصاغرين . قال أنظرني إلى يوم يبعثون . قال إنك من المنظرين .
قال فبما أغويتني لأقعدنّ لهم صراتك المستقيم » . ( 7 : 11 - 15 ) .