الوعظ ، وينصرف إلى حياة التأمل الصوفيّ ، وينطلق في التعبير عن حياته الجديدة بفيض غامر من الشعر بلغ أسمى درجات العبقرّية .
ولقد حقد تلاميذ الرومي على ذلك الدخيل الذي صرف عنهم أستاذهم ، وهاجموه ، فما كان منه إلا أن سافر خفية إلى دمشق .
فحزن جلال الدين وابتأس لا فتراقه عن هذا الصديق الروحيّ ، ونظم كثيراً من شعره الوجدانيّ في فترة الفراق تلك ، ولم ينقذه من شجونه إلا ابنه سلطان ولد ، الذي ذهب إلى دمشق وعاد بشمس الدين . وقد ذُكر أنّ تلاميذ الرومي هاجموا التبريزي من جديد فرحل للمرة الثانية ؛ وأنّ الرومي عمل من جديد لإعادته . ولكنَّه الختفي نهائيّاً عام 645 ه . قيل في تفسير هذا الاختفاء إنّ تلاميذ الرومي قد قتلوه . وقد تألم الرومي كثيراً لفقدا صديقه ، وهتف من أعماق قلبه قائلًا :
« من ذا الذي قال إنّ شمس الروح الخالدة قد ماتت ؟ * ومن الذي تجرّأ على القول بأنّ شمس الأمل قد توّلت ؟
إنّ هذا ليس إلا عدوّاً » للشمس وقف تحت سقف * وعصب كلتا عينيه ثم صاح : ها هي ذي الشمس تموت » .
ومهما يكن من أمر ، فقد كان لصداقة الرومي والتبريزي حصيلة شعرّية هائلة جادت بها عبقرّية الرومي . فقد نظم ديواناً كاملًا سمَّاه « ديوان شمس تبريز » ذكرى لصديقه وموّجهه الروحيّ شمس الدين التبريزيّ . ولم يقف الشاعر عند حدّ نسبة هذا العمل الأدبيّ في إجماله إلى صديقه ، بل إنّه نسب أكثر غزليات هذا الديوان إلى صديقه بوضع اسمه في تخلص كل منها . ( والتخلص في الغزال الفارسيّ هو أن يذكر الشاعر اسمه الأدبيّ في البيت الأخير من الغزل ) . أما القليل من