طويلة ليست من الأمور التي نعلم شيئاً واضحاً عن تفاصيلها .
[ شروع تدريسه ]
توّلى جلال الدين التدريس في مدينة قونية بعد وفاة أستاذه برهان الدين محقّق سنة 638 ه . وهناك حظي بعطف سلطانها السلجوقيّ . وقد بقي مقيماً في قونية ، لا يفارقها إلا ليعود إليها ، وهناك تجمّع حوله عدد من التلاميذ والمريدين . ولم يكن جلال الدين حينذاك يشتغل بنظم الشعر ، كما أنّه لم يُؤثر عنه اتباع طريق الصوفيّة الذي عُرف به فيما تلا ذلك من الأيام ، وأصبح يمثّل علماً من أكبر أعلامه .
لقد ظهرت عبقرّية الرومي كشاعر في فترة كان قد بلغ فيها مرحلة متقدّمة من النضج الفكري والنفسيّ . ولكنّ العجيب في تلك العبقرّية أنّها جعلت إنتاجه العقليّ بعد أنّ قارب الأربعين يختلف اختلافاً كليّاً عن إنتاجه السابق على ذلك . لقد كان واعظاً وعُدّ من الفقهاء الأحناف ، فأصبح صوفيّاً فنّاناً شاعراً ، وحكيماً أخلاقياً وفيلسوفاً إنسانياً .
كيف حدث كل هذا ؟ إنّ المصادر تصوّر لنا هذا الانتقال بأنّه كان فجائياً ، نشأ من التقاء الشاعر بصوفيّ كثير التجوال كان يُدعى شمس الدين التبريزي . حقّاً لقد كان لهذا الرجل أعمقُ الأثر في نفس جلال الدين . ولكنّ وقوع الانقلاب في حياة الرومي لا يمكن أن يحدث بتلك الصورة المفاجئة . فلا بدّ أنّ الرومي كان ميالًا إلى التصوف ، نزّاعاً إلى ذلك التأمل الروحيّ العميق . وأنّه بعد التقائه بذلك الصوفي وجد نفسه ، وأدرك حقيقته ، فانطلق في الطريق الذي كان مقدّراً له أن يخلدّ اسمه على الأيام ، ويضعه في مصافّ الخالدين من شعراء العالم ومفكّريه .
ذكر الرومي هذا التحّول في إحدى رباعيّاته فقال :
« عندما اشتعلت نيران الحبّ في صدري ،