إنّك قد عرفت النور بضدّ النور ، فكل ضد يبيّن ضدّه في الصدور .
ولما كان نور الحق لا ضدّ له في الوجود ، حتى يمكن اتّضاحه لنا بهذا الضدّ ، 1135 فلا جرم أنّه ،
« لا تُدْركُهُ الْأَبْصارُ وَهُوَ يُدْركُ الْأَبْصارَ »
« 1 » .
ألا فلتتأمل قصة موسى والجبل ! واعلم أنّ الصورة ( تقفز ) من المعنى كالأسد من الغابة ، أو كالصوت والكلام من الفكر .
فهذا الكلام وذلك الصوت انبعثا من الفكر ، وأنت لا تعلم أين بحر الفكر .
لكنّك حينما رأيت موج الكلام لطيفاً ، أدركت أنّ بحره هو أيضاً شريف .
ولما تدافعَ من المعرفة موجُ الفكر ، جعلتَ له صورة من الكلام والأصوات .
1140 فالصورةُ قد ولدت من الكلام ثم ماتت ، فعاد الموجُ من جديد إلى البحر .
إنّ الصورة قد خرجت من اللاصورة ، ثم عادت إلى من نحن إليه راجعون .
ففي كل لحظة لك موت ورجعة ! ولقد قال المصطفى : ( الدنيا ساعة ) .
وفكرنا سهمُ من اللَّه انطلق في الهواء ، فكيف يبقى في الهواء ، إنه يعود إلى اللَّه .
إنّ الدنيا تتجدّد في كلّ لحظة ، ونحن لا ندري بتجدّدها ، وهي
هامش
( 1 ) سورة الأنعام ، 6 : 103 .