الأنفس ما دام سالك طريق أهل الله يصادق فرعون نفسه ، ويخاصم روح بدنه وعقل معاده لا يقدر الوصول لربه ، وإذا أردت الحصة من الآفاق تعلم أن المراد من موسى الدال على الباقيات الصالحات من الوعاظ ، ومن هارون الذي يعاون الناس على الصلاح ومن العصا القرآن لزجر الفساق ، ومن فرعون أصحاب العصيان ، ومن هامان إخوان الشياطين أصحاب الخذلان ، ومن السحرة أهل الدنيا الذين يزينون للناس العصيان والشهوات . « 1 » وأغلب الشراح القدامى يتناولون قصص المثنوى من المنطلق السابق ، ولا حديث هناك عن الطغيان وتأثيره في المجتمع والأخلاق ، أو تحليل لسلوكيات المبتلين به ، في حين أن مولانا جلال الدين سعى من خلال هذه القصة بالذات إلى بيان كراهيته للطغيان السياسي واستعباد البشر واستحمارهم والاستكبار عليهم ، وفي هذا المجال يقدم نموذجا عرف طوال عصور التاريخ كنمط للظلم والطغيان ، فلماذا لا نفترض أن مولانا كان يقصد حكام زمانه ، وكان يريد أن يبث هموم نفسه ؟ وهل يستبعد هذا الموقف عن مولانا جلال الدين الذي احتفظ بذكريات طفولته في وعيه أو لا وعيه طويلا ؟ وكان يريد برسمه لهذه الصورة القائمة الساخرة لفرعون أن يصور خوارزمشاه وبطانته . ولم لا وقد صور محمد خوارزمشاه نفسه في إحدى حكايات المثنوى كملك سفاح يريد أن يبيد مدينة بأكملها ما لم تخرج له " سنيا " من بين أهلها « 2 » وشخصية فرعون في المثنوى شخصية حية ذات حضور وذات عدة أبعاد ، وفي تحليل هذه الشخصية هناك تشابه يصل إلى حد المطابقة بين ما ذكره مولانا وذهب إليه في رسم الشخصية وما ذهب إليه الفلاسفة والمفكرون
هامش
( 1 ) يوسف بن أحمد المولوي : المنهج القوى لطلاب المثنوى ج 3 ص 183 .
( 2 ) الكتاب الخامس : الأبيات 846 - 876 .