الكوابيس هي أن الطاغية يزداد سوءا ، فضلا عن أن مواجهته بها تجعله أكثر عتوا واستكبارا ، وأكثر تعطشا للدماء واستعبادا للخلق ، وبين هذين الوجهين كحجرى الرحى يطحن الطاغية ويسرع نحو نهايته المحتومة .
وأسوأ تجليات سمات شخصية الطاغية تظهر عند مواجهته للناس أو مواجهة الناس له ، تفتضح مداهنته ونفاقه وضعفه وخوره وتعلن على الملأ ، وفي الأبيات التالية يبين مولانا ببيان معجز كيف أن فرعون الذي استعبد الناس وأذلهم وأفقرهم وأضعفهم يظهر لهم الشفقة ويتحدث باسمهم وآمالهم ، وحتى يجعلهم يثورون على موسى عليه السلام يقدم لهم موسى كمتمرد يخدع الخلق ويجرهم إلى الذبح :
- قال له فرعون : لماذا أيها الكليم قتلت الخلق وأوقعت فيهم الرعب ؟
- وعند فرارهم سقط الخلق خوفا منك ، وعند فرارهم قتل الخلق من سقوطهم بعضهم فوق بعض منزلقين .
- فلا جرم أن الناس قد اعتبروك عدوا ، ووقر الحقد عليك في قلوب الرجال والنساء .
- وكنت تدعو الناس ، وانقلب الأمر إلى عكسه ، ولا بد للناس من مخالفتك .
- وأنا أيضا وإن كنت أعانى من شرك ما أعانى ، فإنني عقابا لك ، أدبر لك أمرا .
- فاصرف عن قلبك أنك تستطيع خداعي ، أو أن أحدا سوف يتبعك ، إلا ظلك .
- ولا تغتر بما صنعت ، أو أنك أوقعت الرعب في قلوب الخلق .
- فهات أضعاف ما أتيت به ، وتفتضح ، وتذل ، وتصير أضحوكة للغوغاء .
المثنوي المعنوي ( معرب الدسوقي ) — صفحة 16
مساهمون: جلال الدين الرومي
ص١٦