خرج عن أوصافه ودخل في أوصاف الحق فذاب فيها ، صار عاريا من كسوة الطبع أي من أدران المادة وإضافات الجسد ، وأصبحت روحه عارية محتاجة إلى ذلك الحبيب الذي يطيل العمر ، فألبسه الله تعالى رداء القدس والملكوت من أوصافه جل شأنه ، فسما به من حضيض الوجود إلى قمته ، هذا هو الأمير الحقيقي ، وليس الأمير إياه المعربد من أجل الخمر والذي لن يعود إليه مولانا أبدا .
( 3616 - 3625 ) : وهكذا صفا هذا الولي وهذا الأمير الحقيقي على البشر من كدره ، وعندما يصفو الماء يسمو عن وعائه ويبقى الكدر في قاع الوعاء ، إن هذه التراب الثقيل يعطل الروح عن سيرها ، وهو رفيق سوء يقعد رفيقه عن السمو والعلو ، لكن تلك الروح كانت قوية وقاومت هذا الطين وسمت عليه وتخلصت منه ، لقد كانت قبلته عندما سمعت أمره تعالى
قُلْنَا اهْبِطُوا بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ
ولم تكن هي وحدها التي تعاني هذا العقاب وهذا الهبوط وهذا الذل ، كان هاروت أيضاً كذلك بالرغم من أنه كان من ملائكة السماء ، كان يظن هو وماروت أنهما لن يذنبا وأنهما معصومان من الذنوب فلما هبطا إلى أرض الذنوب ، ارتكبا من الذنوب ما لا يرتكبه الإنسان العادي في عمر طويل ، لقد ابتعدا عن مصدر النور ، فتسرب منهما النور ( انظر الكتاب الثالث ، 796 وما بعده ، و 2674 من الكتاب الرابع و 3003 من الكتاب السادس ، والكتاب الأول 3334 - 3364 و 3429 - 3430 والكتاب الثاني :
2475 - 2478 ) مثل تلك السلة التي رأت نفسها وهي مغموسة في ماء البحر مليئة بالماء ، فانصلت عن البحر فأصبحت خالية تماما ، لم تكن تعرف أن الماء من البحر وليس منها ، ولما احترق كبدها من الفراق اشفق عليها بحر الرحمة واستدعاها إليه ، هذه الرحمة الجياشة من لدن الخالق الرحيم الرحمن لا علة لها ، وقد لا تسبقها طاعة ، إنه العطاء الإلهى الذي لا يريد سببا .
( 3625 - 3634 ) : فاجعل الله هدفك وحوم حول بحر الرحمة وحول أولئك الذين يعيشون بالقرب منه من الأولياء وكمل الرجال ، مهما رأيتهم صفر الوجوه فديدن من ينتظر لقاء الله أن يكون أصفر الوجه وهذا اللون هو اللون الجدير بهم ، فإن حمرة الوجه دليل على أن صاحبه لا ينتظر شيئا ولا يشتاق إلى شئ ، إن الطمع في لقاء الله طموحٌ لا حد له ، إنه يجعل الإنسان نحيلا أصفر الوجه ذليلا وإن كان صحيح الجسد فإن جالينوس نفسه يتحير من صفرة وجهه هذا لقد طمعت في أنواره ، والرسول صلّى اللّه عليه وسلّم قال : [ من طمع ذل نفسه ] لكن العشق