( 3599 - 3615 ) : وهكذا لأن الكفار من عشاق الصورة فقد صورا الأنبياء على جدران الأديرة والكنائس وقنعوا بهذه الصور ، ونحن لا تهمنا هذه الصور في شئ ، فنحن ما زلنا في نوبة ضياء محمد بن عبد الله صلّى اللّه عليه وسلّم ودينه حي في نفوسنا وقلوبنا فلا حاجة لنا بتصويره على الجدران ولا حاجة بنا إلى الضلال ، فإن كانت صورة أحدهم قد بقيت في الدنيا ، فإن الآخر صورته في كبد السماء ، وهناك إنسان جلس يستعرض نفسه ويتحدث إلى الآخرين بالنقاط ، وهناك إنسان آخر يعيش مع الحق تعالى في آلفة ويتحدث إليه . إن أذن جسده تسجل الكلام الذي يسمعه هنا لكن أذن باطنه تجذب إليه أسرار عالم الوجود ، وعينه الظاهرة مركزة على البصر لكن عين السر حائرة في
ما زاغَ الْبَصَرُ وَما طَغى
( انظر عن الفرق بين العينين الكتاب الرابع الأبيات 2641 - 2644 وشروحها ) ، وبينما تكون قدمه ( الظاهرة ) في صف الصلاة ، تكون قدمه الباطنة طوافة حول الفلك وهكذا فعدد أعضاءهم ، هناك أعضاء ظاهرة هي التي تموت بموتهم وهذه لا يهمنا أن تصور على الجدران ، إنما يهمنا تلك الأعضاء التي هي خارج الزمان والتي لا تموت ، وفي نفس الوقت لا يمكن تصويرها لأنها معاني ، إنها تتبع ولا تصور ، وما للأنبياء يكون للأولياء ، ومن ثم فإن ذلك الولي الذي هو ولى الدولتين ( دولة الظاهر ودولة الباطن ) ، وإمام القبلتين ( قبلة الكعبة ووجه الله ) ، إن مثل هذا الولي الذي اقتبس أسرار الأنبياء وتمثل بهم لا تلزمه خطوات الولاية التي تلزم الناس العاديين فلا خلوة ولا أربعينية تلزمه ( عن الخلوة والأربعينية انظر الكتاب الثالث 1616 ) بالنسبة لهؤلاء البشر الذين نجو من حلقات الضياء والظلام في الليل والنهار ووضعوا أقدامهم في نور الأبدية ، لا حاجة هناك إلى خلوة ، إنه كامن في قرص الشمس ( في منبع النور ومصدره ) . وما أشبه هذا القول بقول سعدى :
إن الليل بالنسبة لأولياء الله * يتلألأ كأنه النهار المضي وهذه العادة ليست بقوة الساعد * بل يهبها الله الوهاب ( انقروى 5 / 713 ) وقد مر في الكتاب الرابع قصة أبى عبد الله المغربي الذي لم ير ظلمة الليل طيلة ستين عاما ( انظر الأبيات 598 - 606 من الكتاب الرابع ) . لم تعد هناك خشية ولا مرض وبحرانه ( الروحي ) انتهى تماما . لم يعد بين الشك وبين اليقين ، لقد تبدل كفرهم إلى إيمان كامل ، لا شئ لديهم إلا الألف المجردة ( الاستقامة المجردة بلا إضافة نقطة أو غيرها وبلا انحناء ) ،