تخطي إلى المحتوى الرئيسي

المثنوي المعنوي ( معرب الدسوقي ) — صفحة 593

مساهمون:

ص٥٩٣
وشيخ ، وهو في حالة قبض دائما ، وهو أيضاً لم ير جزاء لزهده هذا ، وصار سعيه تبابا كأنه سعى اليهود لا إخلاص فيه ، وهو بلا أصل ، وحيد ، مسكين ، قابع في داره عبوس قمطرير ، ثم إن عينه تؤلمه ، وهو مجتهد دون يقين ودون حزم ، على الاحتمال والوهم والظن ، ثم إنه لا يبحث عن " الرئاسة " ، أي لن ينافسك أيها الأمير الأجل ، حتى في عبادته ليس ثابتا على حال ، إنه يشكو إلى الله دائما أنه غير مفلح في دنيا وغير مفلح في عبادة ، وأحيانا ينعى حظه من الدنيا ، أن الآخرين يطيرون بأجنحة المعرفة وهو مجرد ( زاهد ) مقطوع الجناح ، إنه أيها الأمير ذو لون واحد ، سجين لطريقة واحدة من طرق المعرفة هي الزهد ، وكل سجين للون واحد يكون في ضيق واكتئاب ، إننا حتى نخشى عليه من كثرة اكتئابه ، أن ينتحر وينهى حياته ، حزنا على ما أصيب به من خيبة وما حاق به من أحزان . ( 3535 ) : يبدو أن مولانا انهمك في قصة هذا الزاهد وحالته وانقباضه ويأسه وقنوطه " من الهجر " وأراد أن يثبت أن الهجر قد يؤدى بالعارف إلى " الانتحار " ، فساق قصة عن الرسول صلّى اللّه عليه وسلّم أغلب الظن أنها من القصص المنتحلة أو الموضوعة ، وإن كان فروزانفر قد ذكر أن هناك بعض الأخبار في سيرة ابن هشام ورواية عن ابن عباس في دلائل النبوة تصلح أن تكون أساسا لهذه القصة ( مآخذ / 188 ) . عن ابن عباس إن رسول الله صلّى اللّه عليه وسلّم لما نزل عليه الوحي بحراء مكث أياما لا يرى جبريل فحزن حزنا شديدا حتى كاد يعدو إلى بثير مرة وإلى حراء مرة ، يريد أن يلقى نفسه منه ، فبينا رسول الله كذلك عامدا لبعض تلك الجبال ، إذا سمع صوتا من السماء فوقف رسول الله صلّى اللّه عليه وسلّم صعقا للصوت ! ! ( جعفري 12 / 494 ) . كما مر بنا ذكر مولانا لمحاولة الشيخ محمد سروزى الغزنوي إلقاء نفسه من فوق الجبل لأنه لم يوفق في الوصول إلى الجمال الإلهى ( انظر 2670 من الكتاب الذي بين أيدينا ) وفي البيت رقم 3540 كشف الحجاب : أي أدرك نور النبوة من داخله . ( 3541 - 3548 ) : يعلق مولانا : كيف أن الناس يفكرون في الانتحار عند كل محنة يواجهونها وهم يتحملون أصل المحن داخل أنفسهم ، أي تلك " النفس " ، التي تعتبر أصل كل المحن ، وهناك من يضحون بأنفسهم ، وأنا في حيرة من أولئك الذين يضحون بحياتهم وأرواحهم ، لكن ألا يضحى كل منا بحياته ويهب كل عمره لشئ ما ، فما أسعده ذلك الذي يضحى بجسده من أجل روحه ، وإذا كان كل إنسان مستعدا للقتل في سبيل شئ قد لا يبقى بعده ، ويضيع المشتاق والمشتاق إليه ، فلماذا لا تكون التضحية بالروح في سبيل هذا العشق ،